‏”ولعلَّ ما أنت ساعٍ إليه هو ساعٍ إليك“

قبل أربعة أعوام تقريبًا كانت علاقتنا قد وصلت إلى ذروتها، لا زلت أذكر صباحات الصيف التي كنت أقضيها معه قبيل ذهابي إلى العمل، يعجّ حسابي في انستقرام بصورٍ كثيرة منه كلها لتلك الصباحات الباكرة.

قرأتُ فيهِ كتبًا عديدة، وكتبتُ فيه تدويناتٍ ومنشوراتٍ عديدة أيضًا، أذكر جيدًا قراءتي لكتاب سفر القهوة ثم كتابتي عنه هناك، قرأت لحبيبتي الراحلة رضوى وكتبتُ عن روايتها كذلك.

زرتهُ أول مرة مع زميلات العمل ولم أدرك حينها بأنّ علاقةً ما ستنشأ بيننا، كنت أتأمّل المكان بألوانه التي أحبها، بتصميم شكل نوافذه المقوّسة والستائر البيضاء المنسدلة والممتدة على طول النافذة، لون الأخضر الفستقيّ الباستيل، مع البرتقالي الذي أفضّله بدرجاته، والأبيض الذي يتربّع على كل الألوان المفضلة عندي، تناسق الألوان هكذا يذكرني بكمّ التناقضات التي أملكها لكنها تتداخل ولا تتعارض بطريقة أنا نفسي أعجب منها! درجة طلاء الجدران الأصفر الكموني الفاتح الذي يميل للون المانجو تقريبًا، والنباتات الداخلية وخشب الكراسي والطاولات الرخامية المستديرة، وتلك الإضاءات الصفراء الكروية المعلقة، والشمس التي تنتشر في المكان، كل هذا كان كفيلًا لترك انطباع أليف ودافئ عندي، يغلب عليه التصميم المعاصر الناعم والهادئ، تمامًا كما أحبّ.

ما الذي دفعني للكتابة عن هذا المكان الآن؟ لا أعلم، كل ما أذكره بأني بدأت بقراءة كتاب الرحلة لرضوى هنا في مكاني المفضل، وقراءتي لها تبعث في روحي الشجن، وتحيي فيّ الرغبة في الكتابة، ولروح المكان أيضًا سطوةٌ أخرى.

أعودُ لرضوى كلما شعرت بالرغبة في القراءة عني، أعودُ إليها بين كل مرحلة ومرحلة، أختبرُ نفسي معها، كما لو أحملُ مرآةً لأرى انعكاسي فيها، ما نتشابهُ فيه وما نختلف، ما تغيّر فيّ وما تأصّل، تمامًا كما أعودُ للأماكن التي أحبّ لا لشيء سوى لتكون شاهدة على كل التغيرات والأطوار التي أمرّ بها وأعبرها.

أُدرك أني تغيّرت حين تغيّر الناس المحيطين بي، أعني من غادر وعاد فوجدَ نسخةً أخرى مختلفة، ولم يجد من يستقبله، ولا مفاتيحه القديمة تنفعه، إذ نُزِعَ قلب القفل العتيق واستُبدِل بآخر جديد. 

أُدرك بأني أتغيّر أيضًا حين يتغيّر القادمون، وحين يخفّ شعوري بالغربة، وحين أشعر بأني مفهومة وواضحة، وحين أُرى كما أحب أن أُرى، بالنسخة التي تشبهني تمامًا دون حاجة لتبرير أو توضيح.

كل تلك السنون والأعوام التي مضت ما بين سقوطٍ ووقوع والكثير من محاولات النهوض علّمتني أكثر مما أعتقد، وفي هذا يحضرني بيت جاسم الصحيح حين قال: 

”وعلّمني السقوط ببئر نفسي 

بأنّ الماء في الأعماقِ أحلى!“

رحلة التغيير مستمرة ما دمتَ حيًا، الفكرة تكمن في تماشي رحلتك مع رحلة الآخرين في حياتك.

يحدث أن يدخل أحدهم وهو في مرحلة قد تخطيتها وتجاوزتها بكثير، وربما قد يدخل آخر وقد سبقك بمراحل، كل هذا مرهق لكليكما، لكن ماذا لو كنتما تسيران معًا في المرحلة نفسها، كلاكما تخطيتما الكثير في أزمنة متقاربة، تراقبان الطريق الممتد أمامكم، بالكثير من الإصرار ومواصلة السعي، يحدوكم الأمل يذكركم بالنور الذي في آخر النفق، ومن أجله ابتدأت رحلة التغيير تلك.

يبدأ التغيير في اللحظة التي تشعر فيها بأن نفسك لا تهون، على من؟ عليك! 

أن تبدأ بأهم علاقة حب تبنيها في حياتك، ومنها يبدأ حب كل شيء.

أن ترى بوضوح كل الجروح ما برئ منها وما لم يبرأ بعد، أن تمسح عليها برقة، لا أن تنثر الملح عليها بتكرارك لأخطائك القديمة، وأن ترى قلبك أعزّ من أن يُهان بفتاتٍ من اهتمام، وأن تبدأ أخيرًا بما يجمّل روحك ويسمو بها، وأن تقدّم لجسدك ذات العناية كذلك. 

تعلمُ جيّدًا جدًا بأنك تغيّرت أيضًا حين يبدأ الآخرون بملاحظة ذلك، ينعكس حبّك لنفسك على محيّاك وظاهرك.

وتذكر:

”اعتنِ جيّدًا بالغصن الذي بداخلك، ذاك الذي يجفّ أحيانًا ويزهر .. من منّا لا تتداوله الأيام؟“ 

على الهامش: من المرات القليلة النادرة التي أواجهُ فيها صعوبةً في اختيار عنوانٍ للتدوينة وربما كنتُ أشعر بزهوٍ حين أجدُ عنوانًا متسقًا مع محتوى التدوينة بكل يسر وسهولة، لكني هذه المرة ومنذ البارحة وأنا أفكر جاهدةً في عنونة هذا النص دون أن أصل لشيء، وكلما تذكرتُ عبارةً أو شطرًا ذهبتُ لأبحث في مدونتي ما إن كنت قد وضعته مسبقًا على إحدى تدويناتي السابقة، وفي بحثي هذا صادفت تدوينة نشرتها العام السابق تمامًا في العاشر من يونيو يوم عيد الأضحى، وقرأتها ووجدتُ أن تدوينتي هذه الآن ماهي إلا امتدادٌ للتدوينة السابقة، ما يعني بأن الكتابة في نهاية المطاف هي شاهد على التجارب التي نخوضها على مرّ السنين، نسجل في كل مرحلة ملاحظاتنا عن خطواتنا وقرارتنا التي نتخذها وأثر كل هذا علينا. وفيما كنت أخشى الوقوع في فخ التكرار إلا أنّ الكتابة بالنسبة لي عملية متصلة بالمشاعر والأفكار، أي أنّ الحافز الذي يدفعني للكتابة هو مدى عمق وأثر الشعور لدي، تكراري ربما -إن وقع- في الكتابة عنه يعني وجوده، كتابتي عنه يخبرني إن كانت تلك الفكرة في إلحاحها وكثافتها نفسها أم غادرت.

هنا تدوينة عيد القلب، قلبي الذي ملأته بالأمنيات وأحطته بالكثير من الحب ورفعت كل ما كان يعتلجُ فيه من مُنىً إلى ربه حاشاه أن يردّها.

أضف تعليق