”واليأسُ إحدى الراحتين، فهل أموتُ من الأمل؟“

”كالعيس في البيداء يقتلها الظمأُ 

والماء على ظهورها محمولُ“

لا أعلم كيف قفز هذا البيت أمامي وأنا أحاول الوصول إلى كلماتٍ أحاولُ فيها وصف ما أودّ الكتابة بشأنه. لسببٍ ما أجهله تعصيني الكتابة حين تكونُ عنكَ فلا تقبلُ إلا أن تكون لك.

بعد الفجر والساعة تُشيرُ إلى الخامسة والربع، استلقيتُ على السرير، رأسي مُثقلٌ بالكثير مما أرغب بالحديث عنه، أهو ثقل الكلمات التي لا تصلها يداي أم أنه تأثير الدواء ليس أكثر. أُحدّقُ في الجدارِ أمامي وقد أطفأتُ النور تمامًا، في اللحظة التي اخترقت فيها الشمس أولى خيوطها ستائر الغرفة كنتُ قد غرقتُ في النوم.

استيقظتُ بعدها بساعات، وحين لم أقوَ على النهوضِ من السرير علمتُ حينها بأنّ الثقل لم يكن في رأسي وحده، هذا ما كنتُ متأكدة منه تمامًا.

أكتب لك هذه المرة بظهرٍ مُثقل، وبقلبٍ أنهكته الدروع التي كانت تحميه وتتصدى لكل السهام التي تحاولُ – عبثًا – تصويبها نحوي. أكتب لك هذه المرة وقد رميتُ درعي وأسقطتُ خوذتي، ليس استسلامًا، إنما طلبًا للهدنة، استراحة محاربٍ ليس إلا.

أكتب لك هذه المرة بصوتٍ طالما رغبتَ بسماعه؛ دون رادعٍ ودون حماية، لكنه صوتٌ متعبٌ مرتعشٌ متهدّج؛ لا تسعفني الكلماتُ ولا روحي أيضًا. هل تعلم ماهية ذاك الشعور الذي تودّ فيه أن تُفرِغ مافي روحك كله، أن تغرف مافي قلبك وجوفك، أن تُزيح ما يُرهقِك وما يكتُم أنفاسك، هذا الشيء الذي لا يُرى، ويُحسّ بأضعاف ما قد يبدو. لكنك رغم هذا كله، تشعر كما لو أنك قائدُ معركة بعد انتهائها، تتأمل الخراب حولك، لا تعلم أكنتَ المهزوم أم المنتصر. على ركبتيك، نصف واقفٍ ونصف جالس، انتهى كل شيء، لكن من يجمع كل هذا الشتات الآن.

أحاولُ ألّا أطيل، لكني سأقولُ لا ما يتوجّب عليّ قوله فقط، إنما ما كان قلبي يحاولُ قوله كذلك لكنك كنتَ كمن يصمّ أذنيه عن سماع ما لا يرغبُ بتصديقه ويُغمضُ عينيه عن رؤية ما لا يودّ رؤيته على حقيقته.

سمّني ما شئت، وأطلِق عليّ ما أردت من أحكامٍ لن أعاتبك، ولن أغضب، أعِدُك. لكن ما عساك تقول لمن أمضت جُلّ عمرها تركضُ بوجلٍ وقلق، وكأن الكون كل الكون يطاردها، ويطلب منها المزيد ولا، لا يكفي ما بذلت وما تبذل في سبيل البقاء. ما عساك تقول لمن تركض للأمام تخشى الالتفات، وقد اتخذت الهدوء محطة الوصول الأخيرة. ما عساك تقول لمن تدورُ في رأسها الأفلاك والأجرام، وكأنّ ركضها ودورانها وحدهُ لا يكفيها. وحدي أمام معتركِ الحياة الثقيل، لم يكن هناك أحد ليحمل الليل عني*، بعد أن كان حِملي أنا وحدي، ولستُ أشتكي ثِقلَ حِملي لكنّ ما بي أصعبَ من أن يُشرَح. كم من ليالٍ ظننتُ فيها أنها أطولَ بكثيرٍ من أن تنقضي، وانقضت، وكم من سنونٍ بدَت أشدّ من أن تنطوي وانطوت، وكم كانت تلك اللحظات التي لا يجدرُ بالمرء أن يعيشها مفردًا وحيدًا لكنها حلّت وانتهت وولّت، الآن وبعد كل الذي كان، قل لي بربّك ما الذي بزعمك غيّرك؟

أين كنتَ فيما كان المارّون يعبرون الشوارع والطرقاتِ مثنىً وجماعات؟ وأنا أخترقُ العابرين وحدي والليل، أين كنتَ حين كانت أصواتهم تملأ المقاهي وأنا أُحدّقُ في الكرسيّ الماثلِ أمامي يملأني ضجيجُ أفكاري، وتحتشدُ مشاعري، وأرفضُ الشكوى، لكنها الغُربة حين تنخرُ في روحي، تُطبِقُ على فمي نِعمٌ من الله كثيرةٌ فحتامَ هذا الوجوم؟ وعلامَ هذا الضجر؟ فأنا اخترتُ المُضيّ نعم رضيتُ لستُ أشكو القدَر.

وكما تقول روضة الحاج:

”أﻧﺎ ﻟﺴﺖُ ﻋﺎﺗﺒﺔً ﻋﻠﻴﻚ

ﻟﻜﻦ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺰﻣﻦ ﺍﻟﺮّﺩي

أﻧﺎ ﻟﺴﺖُ ﻏﺎﺿﺒﺔً ﻋﻠﻴﻚ

ﻏﻀبي ﻋﻠﻰ ﻗﻠﺐٍ ﻧﺪيّ“

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منذُ مطلع هذا الشهر صاحبني الشعر، وجدتُ فيه مواساةً وسلوى، كنتُ أؤجلُ قراءة ديوان عبداللطيف منذُ أن ابتعتهُ في معرض الرياض للكتاب في أكتوبر العام الماضي، لم يكن مقدّرًا لي قراءته إلا في هذا الوقت، ولكم أحب قراءة الكتب التي تأتي في وقتها، رغم أني حين بدأتُ بقراءته لم أكن أعلم بأني موعودة بكل هذا الوجع والألم والرقة والعذوبة التي توشّحت بها نصوصه النثرية والشعرية معًا. كانت تلك تجربتي الأولى في قراءة نثر عبداللطيف، على هيئة رسائل بين عاشقين، كان لها جبرانًا وكانت له ميًا، لكنها ترفضُ أن يشبّهها بأحدٍ سوى نفسها.

تقول: ”ولا تضعني في مرايا لا تخصني، لا أريد أن أكون انعكاسًا لسواي. إن أردتَ أن تكتبني، فاكتبني كما أنا: امرأةٌ تمشي هناك.. في البعيد؛ بخفةٍ، بثقلٍ، لا فرق.. المهم أنها تمشي.“

”أيا صاحبي والفؤادُ امتلا

بدمعٍ على جانبيهِ الدمُ

فصحّةُ روحي تغيبُ بلا

وداعٍ وقلبي يستسلمُ

وكم مرّ بي اسمكَ حين انجلى

عن الغيمِ لي قمرٌ يندمُ

تُرى أستريحُ إليكَ.. ولا

يُشاغبني بالكلامِ الفمُ“

”فاستمع إليّ أنا لا إلى (ميّ) حين أقول: (المحبة الحقيقية هي التي تشبه حوار الأرواح لا جدال العقول).“

لا أذكر بأني قرأتُ ديوانًا بهذه الكثافة الشعورية التي ملأت كل صفحة من صفحاته، قرأتهُ على مهل، على مدى صباحاتٍ عشر، والآن بعد أن أنهيته أشعرُ كما لو أني لم أكتفِ منهُ بعد، لا أعتقد بأنهُ سيعودُ للرفّ، ولم يُكتب ليُقرأ مرة ومرتين أو ثلاث، حتمًا لا، لكل موسمٍ قراءة، ولكل قراءةٍ وقعٌ آخر.

أعلمُ جيّدًا ما تمرّ به الروح من تشظٍ وشتات، وما بين وهنٍ وإصرارٍ على تشكيل الحزن، كيف تجترّ الذاكرة أحزانها الدفينة بُغية صياغتها في قالبٍ أدبيّ أو فنّي. سنة حب كاملة أم أنها سنة تشافٍ كاملة؟ أتذكر شكسبير حين فقد ابنه لم يعلم كيف يعبّر عن حزنه وفقده، سافر وغادرَ أهله، وكيف كان الأنانيّ بنظرهم، لكنهُ في ذات الوقت كان يخيطُ جرحهُ بنفسه، ينكأهُ ثم يحاولُ تطبيبه، بكتَ روحه حتى اختنقَ بها، فخرجتَ مسرحية هاملت، عن فقيدهِ الصغير هامنت.

يُصفّقُ الناس إعجابًا بمدى روعة ما يصوّرهُ ويُخرجهُ الكُتّابُ والفنانون، لكن في الحقيقة ما يُرادُ هنا أن يُرى هذا الألم الكامنُ بين السطور، عن الغصّة التي تختنقُ بها القصيدة، وعن دمعةٍ تفلّتت بين شطرٍ وبيت.

لم أستطِع طيّ تلك الصفحات ولم أتقبّل فكرة أني انتهيت من قراءته كاملًا، قد يبدو وصفي مبالغةً ولا أعلم هل كان بكل هذا الجمال فعلًا أم أني كنتُ عطشى وجاء الديوان عذبًا زُلالًا سلسبيلا.

سأضعُ بين أيديكم بعضًا من الاقتباساتٍ التي كان لها عظيم الأثرِ على قلبي.

”ولولا الذي في الفؤادِ استقَرّا

لأطعمتُ قلبي لطفلٍ حزين

وفرّقتُ جسمي بحرًا وبرّا

وعُدتُ وكلتا يديّ يمين

حنانيكِ.. إنّ الغريب تبرّا

من الكلّ.. حتى بقايا الحنين“

”لأنّ الحنين المُقيم بكل الشرايين لوعةً، تلوّن حزنُ البشر، كذاكرتي وانتخاباتها للصور، تحاولُ جثّ الحنينِ وخلعه. كالسوادِ الذي في العسل، وما ليسَ بالوسعِ أن يُحتمَل، كمرآةِ قلبٍ نحاولُ صدعه. كنبعٍ تدفّق من باطن الأرض لكن نحاول منعه. لينتصر المنتصر، كماءٍ بطعم الحنين سيعرفُ بعد الهزيمةِ نبعه.“

”ويكفي الذي كان كي تصنعَ الآن ما لم يكُن، في نهايةِ هذا السباق، فلا تُرخِ للذكرياتِ الوثاق.“

”أجل سامحَ الله السنين التي انطوَت

بلا أيّ ميعادٍ نتوقُ لهُ غدا“

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*”لأنكِ من كل الجميلاتِ أجملُ

سأحملُ عنكِ الليل لو كان يُحملُ

لأنكِ ما ينسى النهارُ من السنا

تصيرين في الأحلام ما لا يؤوّلُ

خياليةٌ مثل القصيدة حرّةٌ

كقافيةٍ في الوجد ليست تُكبّلُ

وغامضةٌ مثل التذكّر عندما

يجورُ على كهلٍ وحيدٍ ويعدلُ

لهذا الحنين الصعب للفكرة التي

تُخيّلُ لي في البُعدِ ما لا يُخيّلُ

هنا في يديّ الآن وجدٌ مُرتّلٌ

وقد يبعثُ الأقمار وجدٌ مُرتّلُ

لعينيكِ والذكرى مسافةُ شهقةٍ

تمرّ على صدرٍ رحيبٍ وترحلُ

وتترُكُ فيه الشوق والليل والذي

يهمّ بأن يُبديهِ حينًا ويخجلُ

تأخرتُ عن وعدينِ في موقف الشجى

عيونكِ والحُسنُ الذي ليس يُعقلُ

وجئتُ إليكِ الآن خاوٍ يشدّني

ضياعانِ في كفيهما أتنقلُ

فكوني مساء الخير للشاعر الذي

بمحراب كفيكِ النديّ يتبتّلُ

كمُلتِ وقال الليل ما كان في يدي

فمن يُقنعُ الأقمار أن ليس تكملُ“

  • حين وقف عبدالله العنزي في الثالث من أبريل في مسرح جامعة البترول في ليلةِ بدرٍ مكتمل، ووالديه بين الحضور، وألقى آخر قصائده التي كتبها فكانت تلك إذاعتها الأولى. تلك الليلة التي امتدّ أثرها لليالٍ، وأثر هذه القصيدة تحديدًا إذ أخذت بمجامع قلبي ومن أرقّ وأعذب ما سمعت منذ مدة. حين يكون القلب متعطشًا لهذه الرقة وتجيء قصيدة بكل تلك العذوبة لتنهمر وتهمي على الفؤاد وترققه، فما كان علي إلا أن أفتح شبابيك القلب من جديد علّ هذا النسيم يجدّد الهواء القديم، وينعش ما كان يومًا بالفؤادِ مُغيّبًا.
  • قبيل هدنة وقف إطلاق النار بأسبوع تقريبًا، كانت سماء الظهران تحلق فيها الطائرات الدفاعية وفي الليلة التي تلت تلك الأمسية كما ستلحقها أيضًا بضع ليالٍ أخرى مؤرقة تخلّلتها أصواتُ الإنذارات في المنطقة؛ إذ تضرّرت على إثر تلك الصواريخ والمسيّرات معامل الطاقة والنفط وعددًا من المصابين وفقدنا فيها الشهيد جرّاح الخالدي تقبّله الله ورحمه وغفر له.
  • كتبتُ في الأول من أبريل، في الصفحة المقابلة للرسالة الأولى: مرّ شهرٌ منذُ اندلاعِ الحرب – حرب أمريكا وإيران – وتساءلت: لماذا يغدو الحب أكثرَ إلحاحًا وقت الحرب؟ وتذكرتُ تميم البرغوثي حين قال: ”لا أدري لماذا يُلحّ الحب علينا وقت الحرب، هل نهرب من الركام للعيون الكحيلة؟ هل نحاول تشتيت انتباهنا عن الكوارث؟ هل نشعر بندم مضاعف على أبواب عشق فُتِحَت لنا ولم ندخلها حين ندرك قصر الوقت.“

  • أحببتُ أن أبدأ التدوينة برسالة محاكاة لرسائل عبداللطيف في ديوانه الأخير (تيم، سنة حب كاملة).
  • هذهِ ليست مراجعة بالمعنى الحرفي والمعتاد لطبيعة المراجعات، إنما كعادة تدويناتي عن الكتب، هي أقرب للمقال أكتب فيه تأملاتي وخواطري حول الكتاب، وأيضًا بمثابة توصية وترشيح لقراءة الكتاب.

وأخيرًا، يقول ابن المقفع: ”لا شيء أخفّ وأسرعُ تقلّبًا من القلب.“ تلك مواساتك، لا تخشَ على قلبك.

أضف تعليق