بداية كل البدايات

السلام عليك ورحمة الله وبركاته،

كيف حالك الليلة؟ أعني كيف حالك حقًا؟ وكيف حال قلبك؟

بعيدًا عن كون المقدمة مبتذلة قليلًا ربما لكني -شخصيًا- كنتُ بحاجة إلى سماع هذه الأسئلة بشكل حقيقي ينمّ عن اهتمام صادق لا أن تكون عابرة بقصد الاستهلال بالحديث أو الطلب كما يجري بالعادة؛ هذه أسئلة يتمنى أحدنا أن توجّه إليه بين الفينة والأخرى، والمهم والأهمّ أن تكون من قِبل الشخص المعنيّ بالنسبة لنا والذي سيصنع كل الفرق حين نقرّر الإجابة بكل صدق ودون خشية من إصدار الأحكام. 

يقسو الواحد منّا على نفسه طيلة عمره عدا الأيام التي يطرحهُ فيها المرض، فيغدو حينها ذاك الطفل الصغير الذي ينتظر نظرة حنوّ ولُطف من كل المحيطين به -بل حتى من نفسه-.

رسالة الليلة أرجو أن تقرأها بقلبك، فكل كلمة وعبارة سُطّرت هنا هي لقلبك، حين تعصفُ به كل المشاعر التي لم تجد لها وصفًا واضحًا لتفهمها بشكل صحيح؛ فيستجيب الجسد ويتداعى بعد أيامٍ وليالي ظللت صامدًا أمامها متجاهلًا إيّاها، لقلبك الذي تكادُ تسمعُ صوت الريح وهي تعوي بداخله، لقلبك المتّسع الآن في هذه اللحظة، المتّسع جدًا حتى يضمّك أنت أيضًا، أنت الذي كنت تقفُ أمام بابه منتظرًا لحظة عطفٍ وشفقة من قلبك أنت، لكن لا، لم تكن أهلًا لها، بل كنت عُرضةً لكل توبيخٍ وعتاب من نفسك وقلبك وحتى عقلك الذي تآمر معهم بانتظار المزيد والمزيد لما ستقدمه كي تصنع من نفسك أفضل نسخةٍ عرفتها وعرفها الجميع.

لم تكن لتسمح لنفسك أن تتوانى لحظة عن التقاط أنفاسها أو عن التلفّت يُمنةً ويُسرة عن خياراتٍ أخرى بديلة أكثر مرونة وأيسر اتباعًا. 

هذه الرسالة لقلبك المتعب، لأقول لك اليوم: لا بأس، لا بأس أن تنطفئ، واستمع مرّةً بل أنصِت ولو مرّةً لقلبك، وانظر ماذا يرى؟ لا بأس أن تخونك بصيرتك مرّة وتُخطئ الاختيار، لا بأس ألّا تُصيب.

الأمرُ ليس مرهونًا للعقل وحده، و اطمئن.. ما أنتَ إلا بشر، أنت بعاديّتك، هي ذاتها العاديّة التي تجذبك في أحدهم، حين يُخطئ فتحنو عليه وتمسح على قلبه مطَمْئنًا إياه بلا بأس، هي نفسها لا بأس كرّرها على قلبك أيضًا واطمئن.

يعلو صوتُ الهدوء بالخارج فيغدو ضجيج قلبك أعلى مما تحتمل، أخبر صديقك الذي لم تقابلهُ منذ أكثر من شهرين أو ربما ستة أشهر، صديقك الذي لم تُصرّ على سؤاله مرةً أخرى عن اللقاء به بعد أن اعتذر منك وقتها أوّل مرّة، صديقك الذي استمع إليك مرّاتٍ عديدة، أخبره بأنك لستَ على ما يُرام وصدّقني حين أقول لك بأنك ستعودُ منه أخفّ بكثير مما كنت قبيل حديثك معه.

قبل أقل من أسبوع، أخبرتني ابنة عمتي -صديقة الطفولة والمراهقة- ونحن نمشي معًا كعادتنا.. بأن السكوت في حضرة من تحب، السكوت وحده ومشاركة الصمت كفيلة بأن تخفّف علينا وطأة شعورٍ كثيف لا نعرف كيفية صياغته وتحويله إلى مفردات مفهومة وواضحة. اعتدنا سابقًا بأن تمشي إحدانا وذراعها متأبطةً ذراع الأخرى، نمشي بهدوء وببطء، كأننا نستحث الوقت لأن يسير معنا ببطءٍ أكثر، يتخلّل صمتنا بعض الحديث، يزداد البرد فنسحب قبعاتنا لتغطي آذاننا جيّدًا ونلف معاطفنا ونحكم إغلاقها، فتشدّ الواحدة منّا على الأخرى بذراعها وتلتصق أكثر اتّقاءً للبرد، ونكمل مشينا صامتين. عرفت وقتها وحتى إلى هذا الحين بأن المشي ومشاركة لحظات ضعفنا وأصدق مشاعرنا ما بين صمتٍ وتأمل وما بين حديثٍ ومواساة، كل ذلك يُعد أفضل من جلسةٍ مع طبيبٍ نفسيّ، ولا أستثني هنا دور الأطبّاء لكن في أوقات كثيرة، يكون جلّ ما يحتاجه القلب هو هذا النوع وهذا الشكل من المشاركة فقط.

الأمر الذي دعاني لكتابة هذه الرسالة هو حاجتي ابتداءً لقراءتها، هذه الرسالة ليست لك وحدك، هذه الرسالة بكل ما فيها من عفويّة وتلقائية هي لي ولك ولذاك العزيز عليك الذي انقطعت عنك أخباره وبودّك أن تمدّ حبل وصالك إليه مجدّدًا، هي مسامحة تمنحها لقلبك ولقلبه.

إلى ذاك العزيز الذي تخشى أن تزيدهُ المسافاتُ بُعدًا وثقلًا للعودة.

هو ذا رمضانُ قادم، هاهي فرصتك ليغتسل هذا القلب وتغفر وتصفح عن نفسك وعنهم، لا تسمى البدايةُ بدايةً حتى تُسامح وتعفو، وصدّقني، صدّقني هذه المرّة حين أقول لك بأنّ ما بعد ذلك هيّن.

هذه فرصتك لتفتح شبابيك القلب وتتجدّد النسمات وتتنفّس ذلك الهواء النقيّ مجدّدًا.

عفى الله عنك وأنار بصيرتك وأعان قلبك لما فيه خيرٌ له  وصلاح.

حتى نلقاكم مجدّدًا، دمتم طيّبين، ودامت قلوبكم عامرة بالسكينة والطمأنينة والرضا.

3 رأي حول “بداية كل البدايات

  1. ((هذه أسئلة يتمنى أحدنا أن توجّه إليه بين الفينة والأخرى، والمهم والأهمّ أن تكون من قِبل الشخص المعنيّ بالنسبة لنا والذي سيصنع كل الفرق حين نقرّر الإجابة بكل صدق ودون خشية من إصدار الأحكام)) “بالعاميه الكل يحتاج من يفتش قلبه ويسأله ،، سوا صديق/ـة ، الآهل ،الشريك .

اترك رداً على hanan al Fahad إلغاء الرد