إياب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد ..

في كل مرة تقلّنا السيارة عند عودتنا من المطار إلى البيت، وفي رحلات السيارة الطويلة أيضًا يكرمني ربي فأتذكر هذا الدعاء “آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون”، لا تهم المدة التي غبنا بها عن البيت أكانت يومين أم أسبوعين، وكلما كانت الرحلة متعبة وشاقة استشعرت معنى الدعاء أكثر.

الإياب وهو من أبلغ معاني العودة وقد تم ذكر صفة أوّاب بالقرآن إذ قال سبحانه وتعالى: (نِعمَ العبدُ ٌإنّهُ أوّاب) وهي صيغة مدح هنا أي أنه “رجّاع” كثير الرجوع إلى الله بالذكر والدعاء والاجتهاد في مرضاته سبحانه.

ولعلّي اخترت هذا العنوان لعدة أسباب من ضمنها طبعًا بأنه العنوان الأول الذي خطر في بالي ولم أجتهد كثيرًا في محاولة التفكير بعناوين أخرى، – ولعلّ ذكر الإياب والعودة هنا لا أقصد به فقط محاسبتنا لأنفسنا بصورة مستمرة عن علاقتنا بالله وتفقّدها على الدوام والمسارعة في التوبة والعودة إليه سبحانه لكنني أحببت أن أعرّج على هذا المعنى من باب التذكير-، ولكن أيضًا أقصد العودة بمعناها الأوسع؛ العودة إلى البيت، إلى النفس، إلى مباهجنا البسيطة، إلى الأصدقاء الذين اخترنا النأي عنهم في أكثر أوقات حاجتنا لهم، والعودة إلى التدوين بعد طول انقطاع!

مما لا يظهر لديكم بأني أجاهد كثيرًا الآن في كتابة هذه التدوينة؛ إذ أني اعتدت في مكتبي بالعمل استخدام لوحة مفاتيح مايكروسوفت -وقد حفظت كل أزرارها بالعربية والانجليزية- بينما أملك بالمنزل حاسوبًا محمولًا من نوع أبل ماك بوك برو، فمن مستخدمة للحاسوب اعتادت النظر إلى الشاشة أثناء الكتابة لا النظر إلى لوحة المفاتيح والبحث عن الحروف والحركات وعلامات الترقيم فلكم أن تتصوروا المعاناة التي أواجهها في هذه اللحظة وأنا أبحث في لوحة المفاتيح عن حرف “ذ” و “ة” و”ء” و”،” وغيرها! يبدو بأني أحتاج إلى تمارين شبه يومية للكتابة السريعة إذًا ولعلها ستكون فرصة للعودة للتدوين إن شاء الله.

تذكرت بأني قد سمعت سابقًا عن اكتئاب ما بعد السفر أو اكتئاب ما بعد العطلة “Post-vacation blues” ولعلّي منذ أن أدركت هذا الأمر وأنا أجاهد كيلا يكون تأثير ما بعد العطلة هذا قاسيًا يُنسيني أي تجارب جميلة خضتها خلال الرحلة، لكن مما لابدّ منه -غالبًا- هو تعب ما بعد السفر من حمى أو انفلونزا وإن كنتم ممّن يشعر برغبة بالكتابة في أوقات التعب مثلي فهي فرصة للتخفّف من أعراض الاكتئاب هذه أيضًا خاصةً بأنها من أكثر الأوقات التي تنعزل بها عن محيطك! :)

ولأهوّن عليّ ثقل هذا الاكتئاب السخيف أحاول تذكيري بكل ما نملكه من نِعَم وخيرات الحمدلله؛ كنت قد كتبت قائمة في ملاحظات الجوال ببعض ما أنعم الله علي من خير على سبيل الشكر والذكر لا الحصر، كتبت بعد عودتي مباشرة التالي:

إلى ماذا نعود؟ نعود لعملٍ يعلّمنا طعم الفراغ وطعم الراحة وطعم المسرّات الصغيرة التي نسرق لحظاتٍ من يومنا من أجلها، مسرّات صغيرة كاكتشاف مقهى جديد مفضّل، وأماكن جديدة نتخذها ملاذًا لنا في أوقات خلوتنا بأنفسنا، مسرّات أخرى سعيدة كاكتشاف وصفة جديدة لسلطة منعشة لذيذة، أو معرفة وصفة كعكة أو بسكويت جديدة مبُهرة وغنية، أو لتجربة مذاق نكهات وأنواع شاي جديدة. 

 نعود للهدوء، للإضاءة الدافئة التي بجانب السرير، رفيقتنا في الليالي الطويلة، نعود لكوب قهوتنا المفضّل، لفطورٍ شهي في نهايات الأسبوع، نعود لممارسة هواياتنا المحبّبة، ولاكتشاف أخرى جديدة ربما.

 نعودُ للقاءات الأصحاب والاجتماعات التي نتشارك فيها اهتماماتنا المفضلة، نعود لكل تلك الارتباطات والمشاريع التي تركناها على الرفّ، نعود لملء أيامنا باللقاءات والتجارب الجديدة التي تبنينا و تصنع منّا نسخًا أفضل وأجمل.

نعود للحياة كلها .. بركضها المحموم، برتابتها، وعاديّتها، نعود لنتفقّد القلب، وسط كل ما هو قائم في هذه الحياة، نعود لتلك الأخبار التي لا تنفكّ تنقلنا لما خلف الشاشات، لتذكيرنا رغم كل محاولاتنا للسعي قُدُمًا في هذه الحياة بأنّ الهمّ واحد والقضية واحدة، حتى لا نُشيح بعيوننا بعيدًا وينصرف القلب عن ما أيقظ ضمائرنا ووحّدنا لنحمل هذا الشجن في أرواحنا ما حيينا.  

لكننا -رغم كل الملهاة والمأساة- لازلنا نحبّ الحياة ولازلنا نؤمن بأنّ الخير قادم، وبأنّ الحياة تُعاش بنوافذ مُشرعة وبهواء متجدّد، وبأنّ العتمة زائلة، وأنّ النور لا محالة فينا ومنّا، وبأننا كلما حاولنا فهم طبيعتنا أكثر، كلما كانت الحياة قابلة لأن يُحتفى بها أكثر.

يعلّمنا السفر كل هذا، يذكّرنا بالحياة التي تركناها خلفنا،  لننظر للصورة الأبعد والأكبر، نحنُ نطلّ لا على السحب التي نعلوها فقط إنما نطلّ من أعلى علينا.

حينما نستعدّ للإقلاع نعرف بأننا سنمر بلحظات غير مريحة لنا، ستستمرّ علامة ربط حزام المقعد مضاءة، سيغمضُ البعض أعينهم، وسينظر البعض إلى نوافذهم، وآخرين ستستقرّ أعينهم للأمام، إلى ظهر المقعد الذي أمامهم، الكل سينتظر استقرار الطائرة أفقيًا، لأننا نعلم جيّدًا جدًا بأنها ماهي إلا لحظات حتى تنتهي فقرة الإقلاع، وسيعود الجميع لممارسة ما يرغبون فور استقامة الطائرة، ونعلم أيضًا بأنّ الهبوط قادم، وبأننا سنمر بلحظات أخرى متعبة للبعض، وهناك أيضًا بعض المطبّات التي ستعترضنا، ستكون مفاجئة لنا لكننا نعلم مسبقًا بأننا قد نقابلها في طريقنا.

تبدو رحلة الحياة شبيهة برحلاتنا التي نقضيها بالطائرة، الحياة مستمرّة بتقلباتها كلها، نحن نختار تقبّلنا لها وكيفية مسايرتنا لها.

دمتم بأفضل حال.

4 رأي حول “إياب

  1. الكتابة عن السفر خصوصاً إذا كانت تحتوي على صور تعيد الإنسان لذكريات السفر، أتذكر أني سافرت في رحلة قصيرة لم تزد عن ثلاث أيام، ووثقت عنها ثلاث تدوينات أخذت مني وقت كتابتها لكن عشت أجواء الرحلة مجدداً عند كتابتها.
    كنت أخاف من السفر بالطائرة في السفر وكانت أخوف لحظة هي لحظة اﻹقلاع، اﻵن أصبحت أفضل لحظة هي لحظة اﻹقلاع حيث أحس بقوة دفع المحركات، كذلك كُنت أخاف الصواعق كثيراً اﻵن أصبحت أتمنى سماعها فهي تحسسني بقوة الله

  2. جميل!
    لوهلة استوعبت بأن قصر وجهاتي أنساني دعاء العودة للمنزل، شكرًا لك يا أسماء لأني تذكرت الدعاء الآن وتأملت معانيه الطيبة 🤍

    “ورجعت.. ما أحلى الرجوع إليه” هذا ما كنت أردده عند العودة للمنزل، أو العودة للمرافئ التي أحب ✨

اترك رداً على شذى مصطفى إلغاء الرد