“تتابع الأشياء رحلتها .. دوننا”

(٨)

“وما عوّدتني من قبلُ ذاكَ”

لازلتُ أذكر حين كتب أحدهم في تغريدة أو تدوينة قبل أكثر من عشر سنوات: “أسوأ من الحب: الاعتياد” وتذكرتها وأنا أقرأ قصيدة بهاء الدين زهير في ابنه رحمهم الله، حين استوقفني هذا الشطر تحديدًا وكأنها المرة الأولى التي أمرّ بها عليه، و “عوّدْتَني” هي -بنظري- حقيقةً كل ما تتحدّث عنه القصيدة، كمية العتَب والملامة في هذه المفردة هائلة وثقيلة جدًا! هي أثقل وأصعب حتى من أن تُلقى أمام ابنه، لكنه مُذ وارى جسدهُ الثرى حتى خرجت زفرةً من صدر الأب “وما عوّدتني من قبلُ ذاكَ!” تلك هي الخيبة والانكسار.

أتذكر الآن كل تلك المرّات التي نعتادُ فيها على الشيء ثم يُغادرنا، تتشكّل أمامي صورة بيتنا بعد مغادرة ضيوفه الذين مكثوا فيه بضعة أيام أو أسبوع، وكأنه كان مكتظًا بهم طوال عمره، فننسى كيف كنا نعيش قبل مجيئهم، يبدو البيت فارغًا وشاسعًا على نحوٍ غريب، وهادئًا ليس ذاك الهدوء الذي ننشده إنما الهدوء الموحش الكئيب، يُطلّ علينا شعور ما بعد الاعتياد على شكل فراغٍ كثيف، ثم يمرّ اليوم دون أن نعرف كيف مرّ، ثم يبدأ ذلك الفراغ والهدوء بالتآكل والتناقص تدريجيًا كلما مضت الأيامُ بنا، وكلما أطلّت علينا وجوهٌ جديدة وأحداثٌ جديدة، ربما الزمن ليس كفيلًا فعلًا لُتشفى الجِراح، لكنه كفيلٌ لأن يملأ ذلك الفراغ؛ بأن يعيدنا على ما اعتدنا عليه مسبقًا أو يخلق اعتيادًا جديدًا آخر، على شكل أيام أخرى جديدة خالية منهم لكنها مُحمّلة بذكرياتهم إذ نبتسم لمرأى خيالهم العابر.

ما دفعني للكتابة ليس ذلك الشطر الذي استوقفني هذا اليوم، إنما أكوامٌ من المشاعر التي كنت أحملها فوق ظهري لمدة طويلة ولم أستطع التخفّف منها؛ إذ كانت على ظهري طوال ارتحالي بين الأزمنة والأمكنة التي مررتُ بها خلال الشهور السابقة، فتارةً أرفعها عن ظهري قليلًا وتارةً تسقط وتجثم على صدري فلا أقوَ التنفس! أهرعُ للكتابة علّها تُسعفني ببضعة أسطر لكنها تفشل بالإتيان ولو بالقليل، ثم أعودُ وأرفعُ تلك الأحمال من جديد على ظهري وهكذا أبدّل بين الحالتين طوال الرحلة، لكن أكثر ما كنت أودّ الكتابة بشأنه حقًا هو شعور التكرار، تكرار رحيل الأشياء ومفارقتها، تكرار مغادرتنا نحنُ وتكرار البدايات التي نصنعها في كل حين.

ومما أثار دهشتي في نفسي هو صعوبة البدء من جديد، من إعادة التعريف بنفسي وماذا أحب وماذا أفعل! أُصبتُ بالخيبة قليلًا حين بدأت منذ بضعة أشهر العمل في مكانٍ جديد، فقد حلّ عليّ صمتٌ ثقيل أطبقَ عليّ وصنع مني نسخة أخرى لم أعهدها، لكن حقيقة الأمر كانت في عدم تقبّلي لمغادرتي مكان عملي السابق، وبحقيقة شعوري بالانتماء للمكان الأوّل الذي عرّفني على أجزاء من شخصيتي لم أكن مُدركة بأنها موجودة أصلًا، لن أجد عبارة أو مفردة تُصيغ مشاعري تجاه العتبة الأولى وتجربتي العملية الحقيقية في ذلك المكان مهما حاولت، تشهد كل تلك الشهور المنصرمة التي قضيتها في محاولات عديدة لأكتب ولو بضعة أسطر تُخمد كل ما كان يتفاقم ويصعد بداخلي حتى بلغ حلقي وعيني، وأُلجِمتُ عن الكتابة.

٢٣ يوليو.

(٧)

يهبطُ الليل على قلبي كما تهطلُ نُدف الثلج معلنةً دخول الشتاء، لكنها استعارةٌ لا بلون الليل و سواده الحالك، إنما أعني هدوءه، يهبطُ عليّ هدوءه وصمته، وسكونه الذي يجعلني أسمعُ جيّدًا ما أُريد، وما أحتاج.

هذه المرّة قررتُ ألاّ أهرُب، هذه المرّة سأدَعُ هذا الهدوء ليتوغّل بي أكثر، أن يهطل ببطء لكن بغزارة، وبكثافة، حتى يتّضح كلّ شيء، وكما الطفل الذي يخرجُ باستقبال نُدف الثلج، فرِحًا بها ومحاولًا تذوّقها تارةً بانتظارها لتتجمّع في بنانهِ وتارةً فاتحًا فمهُ حتى يستقرّ الثلجُ في لسانه، مستمتعًا بهذه اللحظة، ومتيقنًا بأنّ خلف هذا الهطول، رجلٌ من الثلج سيقومُ بصنعهِ غدًا صباحًا.

وهكذا، أحاولُ الآن، أن أجمع هذا الهدوء الذي يلفّني في هذه الساعة قبيل الفجر – وأن أفتح نافذةً تُطلّ على البياض -، عساني أن أكتب ولو نزرًا يسيرًا ممّا يعتملُ في صدري وجوفي، علّني أهدأ فعلًا وحقيقةً، تمامًا كما بدَت صورة الليل و نُدفُ الثلجِ واضحةً في مُخيّلتي.

٣ يوليو.

(٦)

من أين أبدأ؟

مرّت شهورٌ وأنا أؤجّل أم يا ترى أقولُ أهرب من الكتابة؟

اكتشفت مؤخّرًا بأنّ للكتابة عن تجربةٍ ما عمرٌ ينقضي بفوات أثر التجربة، إذ أنّ للتجربةِ أثران، أثرٌ أوّلٌ يكون إبّان وقوعها وقد يطول لبضعة أسابيع قليلة جدًا وأثرٌ ثانٍ ممتدّ بطول أعمارنا، وأقولُ فاتتني الكتابة عن الأثر الأول والذي جاهدتُ كثيرًا حتى أستطيعُ أن أقول بأني نجوتُ – تقريبًا أو ربما قليلًا – من مخالبه التي غُرِست عميقًا ولازلت أحاولُ انتشالي منه وأكتب الآن لأنّ لازال من الأثرِ بقيّةٌ عالقة، أعلمُ جيّدًا بأنها لن تزول حتى أكتب وأُنهي ذلك بنفسي.

منذُ ثلاثة أشهرٍ تقريبًا ودّعتُ فصلًا كان قد صنع وشكّل شخصيةً لم أكن لأدرك قبلًا بأنها أنا أو أنّي أملكُ هذه المقوّمات، ربما أحملُ بداخلي تلك البذور لكن سيظلّ لذلك المكان الفضل الكبير بعد الله في إنبات تلك البذور ورعايتها حتى تكبر، هل تعرفُ البذرة بأنها ستغدو شجرة أم زهرة قبل أن تكبر؟

أما الآن، وطوال تلك الأسابيع والشهور التي تلَت مغادرتي، كنتُ أشعرُ بأنّي أتساقط، أوراقي تصفرّ وتيبس وتسقط، أشاهدني وأنا أفقدُ أجزاءً كثيرةً منّي أمامي، أُدركُ هذا الآن، لأنّ منذُ مغادرتي شعرت بأنّ أجزاءً كبيرة ليست بهيّنة كنتُ قد تركتها هناك.

٢٢ يونيو.

(٥)

يبدو كل شيء في غاية الهدوء، المحيط ساكن، وهادئ .. زُرقتهُ اللامعة تُبحرُ وتغورُ بي نحوي، تأخذني إلى أزمنة عديدة ظننتُ بأني قد غادرتها وتجاوزتها منذ زمن بعيد، حتى صفعتني عبارة قالتها صديقة: “تجاوزتِ .. لا تعافيتِ!” ومن يومها وأنا أغرق بداخلي، أبحث عن كل الجذور السامة التي تجذّرت عميقًا بي، تُفسِد كل ما حولها، تُدمّر ما كنت أعملُ جاهدة على إصلاحه وتقويمه، لكنها الجذور، هي الجذور في كل مرة من تسحبني إلى القاع، تذّكرني بأنها لم تزل تضربُ بأطرافها لأبعد مدى، تنخرُ في عقلي مثل السوس، يهدأ سويعاتٍ ليصرخ بعدها لليالي .. نُسكّنُه ونمنحهُ بعض المهدّئات حتى يقتلع الطبيبُ العصب تمامًا.

أستطيع أن أرى جيّدًا الآن، الصورة تبدو واضحة جدًا ولهذا أنا هادئة، أكثر أيضًا من أيّ وقتٍ آخر، وبطريقة غريبة لم أعهدها على نفسي، لا بأس .. هذا الهدوء هو ما أحتاجه الآن، الهدوء الذي يصفو معهُ ذهنك فترى الأمور على ماهي عليه فعلًا، أو هكذا يبدو لك.

أنا في وسط المحيط، أطفو على السطح .. أدعُ الأمواج تأخذني بهدوء .. أُقاومُ كل موجة تحاولُ إغراقي أو ودفعي بعيدًا عن وجهتي، أُنشِدُ الهدوء، وأركّز بوضوح على غايتي ما استطعت، أرفعُ رأسي للسماء، تلك التي تنعكسُ زُرقتها على ماء المحيط، أصلُ الأشياء،  “وفي السماءِ رِزقكم وما توعدون” .. تنتشرُ بي طُمأنينة هذه الآية، وتنعكسُ السماءُ على عينيّ، وتجري على قلبي ولساني أدعيةٌ لم يكن ليلهجَ بها عدا أنّ الله قد يسّرها.

١٩ يونيو.

(٤)

أجلسُ مُحدّقةً بالبياض الممتدّ أمامي، أضمّ ساقاي و ركبتاي نحوي، أفكّرُ كيف باستطاعتي مقاومة الانطفاء هذه المرّة، يقول لي صوتٌ بداخلي ألّا أقاوم وأن أجعل الأمور تأخذ مجراها الطبيعي.

أفكر بالمرّات التي تخيلتُ فيها كتفًا لأُسقِط رأسي عليه، وبالمراّت العديدة التي كانت كل خلية من جسمي تصرخ فيها بالتعب لكني ظللتُ واقفة، وحاولتُ الصمود ولازلت، أفكر بالطفلة التي بداخلي، تلك التي لم ألتفت إليها منذ زمن، وبأني منذ مدة طويلة وأنا أتجاهل كل نداءاتها، وكنتُ أصفها بالدلع والترف الذي لا نملكُ رفاهية تلبيته عوضًا عن الاستماعِ إليه أو إعارتهُ انتباهنا أساسًا.

أفكر كم من مرة كان بودّي أن أخبر أيّ أحد بأيّ شيء لكنّ جدارًا من الصمت كنتُ قد بنيتهُ واعتدتُ عليه.

٤ يونيو.

(٣)

يبدو السطر الأوّل عصيًا على الكتابة، بل الكلمة الأولى! فمنذ اللحظة التي قررت فيها أن أفتح نافذةً جديدة وألِجَ إلى هذا البياض الواسع، هذا البياض الذي ينتظرني منذ مدة طويلة أن أبعثر كلماتي أو أصفّها المهم أن أحدّق فيه، وأن أدع ببساطة أصابع يدي لتتحرّك على لوحة المفاتيح علّ نصًا ما يتسرّب بدون طواعية مني، لم أشأ وربما لم أكن أرغب بالكتابة، لأني حين عزمت، شعرتُ وكأنّ لوزتاي تضخّمتا واختنقتُ حقيقةً لا مجازًا! لكني استعذتُ من الشيطان وأكملت، والآن وفي هذه اللحظة لا يهمّني شيء عدا أنّ مشهدًا قرّر اختراق ذاكرتي ليحملني إليه؛ تتمدّدُ أشعةِ شمسٍ على مفرش السرير وتتحرك كلما تحرّكت تلك الستائر الرقيقة بوداعة حالمة، الغرفة غارقة باللون الأصفر المائل للبرتقالي، تمامًا كما أحبّ لصوري التي ألتقطها أن تبدو عليه – دافئة -، تدخل الشمس الغرفة، فتضفي عليها لونًا دافئًا أحبه، في كل مرة تلمح عيني هذا المشهد إما من فلمٍ ما أو من صورةٍ ما، أجدني وقد عدتُ إلى غرفتي القديمة، في إحدى عُطلِ الصيف الطويلة، بين الأعوام الدراسية الجامعية، تحديدًا إلى فترة ما بعد الظهيرة، يكسر هذا الدفء المنتشر بالغرفة صوتُ هدير المكيّف، ما يعطي للمشهد نوستالجيا – وحنين – لتلك اللحظة.

٢٥ مايو.

(٢)

منذُ مدّة وأنا أفكر وأتأمل في الحياة وكونها سلسلة من مراحل وداع متكررة، وبدايات متجدّدة، وعلى قدر ما تحملهُ البدايات من الحماس والمتعة والفضول إلا أنها غالبًا ما تكون مصحوبة ببعض القلق والجهد الذي نحتاج أن نبذلهُ أكثر من أيّ وقت آخر.

بدأتُ ألاحظ اعتيادي على شكلٍ من الضجيج؛ يتضخّم في كل مرة ويعلو صوته كلما تجاهلته وكلما اخترتُ عدم الحديث والمشاركة حتى صار اعتيادي على الصمت واختياري للعزلة أقرب إليّ من الرفقة، رغم أني لا أمانعها إن كانت لمدة معينة لا أن أعتادها وأجعلها ملجئًا ومهربًا. لأني – في الوقت ذاته أيضًا – أؤمن بقوة الرفيق والصاحب، وأؤمن بسحر التواصل والمشاركة وحين تُتَرجم الأفكار إلى كلمات تخرج من اللسان أو حتى بالكتابة وسط نقاش أو حديثٍ ما مع المقرّبين.

مؤخرًا، وجدت نفسي في حالة من الهرب الدائم، من هروبٍ مؤقت كما كنتُ أقولُ في نفسي -أو أدّعي-، إلى هروبٍ مؤقتٍ آخر، والحصيلة هروبٌ طويل علقتُ به فلم أقوَ بعدُ على التوقف، رغم أني لستُ ممّن يخشى المواجهة، لكني وجدت نفسي في أحد الأيام أركض، وبطريقةٍ ما لم أستطع التوقف، وظللتُ في ركضٍ مستمرّ حتى بات التوقف للتأمّل والتقاط الأنفس من الرفاهية العالية، لكنّ حديثًا قصيرًا الليلة بدأتُ بهِ مع أختي استوقفني وجعلني حتى هذه الساعة المتأخرة -التي تجاوزت منتصف الليل- أفكّر وأعيد تشغيل شريط الرحلة الأخير .. الشريط الذي كان مليئًا بمشاهد الهروب والركض والذي يبدو بأنهُ اقترب من النهاية أخيرًا الحمدلله.

١١ مايو.

(١)

يتجمّع الزملاء والرؤساء وُمدراء الأقسام، يرأسهم مديري، الذي آمن بي كما آمن الآخرون أيضًا، كان للكل أثرٌ طيّبٌ وفضلٌ كبيرٌ علي وبقدر هذا، كانت تلك اللحظات أصعب من أن أستوعبها في وقتها، حفلٌ لطيف أختُمُ به مسيرتي العملية التي استمرّت أربعة أعوام ممتعة بكل مافيها ورغم كل مافيها، من تجربة عمل جديدة وعلاقات جميلة اكتسبتها وتجارب أخرى مؤلمة مررتُ بها خلال تلك الأعوام و العديد من التغيّرات الكبيرة والقرارات الصعبة الثقيلة – التي قد يعدّها البعض مصيرية – والتي كانت منعطفًا هامًا و مهمًا جدًا في حياتي، كان علي أن أودّع كل هذا، وأبدأ بداية جديدة في مكان جديد لا أعرفه – والأصعب لا يعرفني -، لذا لم يكن الوداع سهلًا أبدًا!

الكثير من الكلمات والمشاعر اللطيفة، ومحاولات أخيرة من الجميع تستبقيني و تُثنيني عن المغادرة، لكني كنتُ عازمة على أن أترك كل شيء، وأن ألتقي بأماكن جديدة، أُشرقُ فيها وأواصل نموّي، وأكبر.

٢٧ فبراير.

6 رأي حول ““تتابع الأشياء رحلتها .. دوننا”

    1. كل التجارب التي نمرّ بها على حلوها ومرّها تستحق أن تُعاش بتفاصيلها جيّدًا وتستحق كذلك لأن تروى بأي شكلٍ كان :) استغلالنا لهذه التجارب في الكتابة عنها هو استثمار صحّي جدًا بالمناسبة! كل التوفيق طارق.

  1. حلولي في بضعِ من سالفِ الخَبر أضفي جمالا للنص ورونقا للعِبر ….. وزاد من ذاك الجمال بلاغة أنه قد صيغ من صانع معتبر ….. حقا فمن عايش ليس كمن عبر أو بالأحري من مكث ليس كمن عبر.

اترك رداً على أسماء عدنان إلغاء الرد