(سلامٌ عليكم طِبتم فادخلوها خالدين)

وحدهُ الموت يُفقدنا هذه اللحظة، لحظة استشعار الشيء، أو استشعار اللا شعور تقريبًا.

يبدأ الأمر هكذا، يشبه تنميل الأطراف بالبداية، شعور بالخدَر يبدأ في الانتشار في أجسامنا، حتى نصل إلى مرحلة الخدَر التام وعدم الشعور بأيّ شيء، لم نصل بعد للحزن، إنما شعور بالشلل ولحظة استيعاب تدوم لفترة طويلة نفقد معها الإحساس بالوقت أيضًا.

اليوم الأول من رمضان، لا يشبه رمضان، ولا أي شيء يبدو بأننا نعيش يومه الأول.

لا شعور، لا شيء.

ولا أستطيع أن أبكي، لم أستطِع، ليس بعد.

الموت يأخذ من الحياة إحساسنا بها، لا يُحيلها سوادًا .. لا أبدًا، إنما يقطع صِلتنا بها، في أن نرى أثر أي حدث أو مشهدٍ فيها، على الأقل في الأيام الأولى بعد الفقد، وقبل لحظة الإدراك بقليل، حتى يبدأ الحزن بالتسلّل ببطء، يأتي على شكل مشاهد تتشكّل أمامك، أصوات وضحكات، ثم يباغتك ذلك الشعور، انقباضٌ وغصة، وتتذكر، تتذكر وتصبح الذاكرة أكثر وضوحًا وحدّة، تحاول هزّ رأسك كما لو أنك تتوقع منها أن تسقط، أو تختفي، لكنها تزدادُ وضوحًا، فتسلّم نفسك لها وتبكي، تبكي كطفلٍ للتوّ قد أدرك ما أُخِذ منه.

أعلم جيّدًا بأنّ شعور الحزن الثقيل الكثيف هذا، سينام ويصحو معنا لفترة، ثم يهدأ ويختفي مع الوقت، ثم يعود ويضرب في كل مناسبة وكل مكان اعتدت على تواجدهم وحضورهم فيه.

ستتذكر وستعرف بأنّ التذكر بعدها لا يوجِع، وإن كنت تتألّم لفقدهم وتشعر بهذا الفراغ الثقيل كلما نظرت عيناك في مجلسٍ لم يعودوا حاضريه، إنما هذا من فضل ربك عليك وعليهم، وستُدرِك حينها ما كنت ستذكرهم إلا لتدعو لهم، وتذكرهم بالخير كما اعتدتَ منهم، وتقول: يارب قد أحبّوك كما نحبّك، وما كنتُ لأذكرهم وأتذكرهم في هذه اللحظة وفي هذا الوقت من بين جميع الأوقات لولا بأنك يارب قد أحببتهم، ويسّرت ذكرهم على لساني فسخرني اللهم لهم، لأدعو لهم حين ينقطع عملهم، وأن تجمعنا معهم في جِنانك وفردوسك الأعلى يارب.

في اليوم الأول من رمضان، كانت قلوب الجميع وأفواههم تلهج بالدعاء لخالتي التي ودّعناها عصر اليوم، بعد صبر وعناء من المرض، وبعد أن استقبلت المعزّين في وفاة ابنتها التي سبقتها منذ فترة بسيطة جدًا لم تتجاوز الشهرين، فصبرت واحتسبت، فأيّ لُطف وأيّ رحمة وأيّ فضل من الله حين اختارها لتُدفن في هذا اليوم، وجعل ذكرنا لها مقرونًا أيضًا بابنتها رحمهما الله وغفر لهما وجعل ما أصابهما تكفيرًا ورفعةً لهما، فالحمدلله على ما كتب وقدّر، ونسأل الله الصبر لنا ولأهلهم.

رمضانكم مغفرة ورحمة ولُطف من رب العالمين، طابت لياليكم عامرة بذكره وعبادته وجعلنا جميعًا من الصابرين المحتسبين المتقين، ممّن قيل عنهم: ﴿وَسيقَ الَّذينَ اتَّقَوا رَبَّهُم إِلَى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّىٰ إِذا جاءوها وَفُتِحَت أَبوٰبُها وَقالَ لَهُم خَزَنَتُها سَلٰمٌ عَلَيكُم طِبتُم فَادخُلوها خٰلِدينَ ۝ وَقالُوا الحَمدُ لِلَّهِ الَّذى صَدَقَنا وَعدَهُ وَأَورَثَنَا الأَرضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيثُ نَشاءُ فَنِعمَ أَجرُ العٰمِلينَ﴾ [الزمر: 73 – 74]

بلّغنا الله وإياكم ومن تحبون ليلة القدر وتمام الشهر ونحن من المقبولين، لا فاقدين ولا مفقودين.

4 رأي حول “(سلامٌ عليكم طِبتم فادخلوها خالدين)

  1. أحسن الله عزاءكم أختي العزيزة وجبر مصابكم، وغفر لخالتك ورحمها وأنزلها الفردوس الأعلى، وثبتها عند السؤال
    لعلها رحلت من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة فالله أرحم بها منا
    يالله اختم على قلوبكم بصبر لا ينفذ وجبراً من عندك

اترك رداً على م. طارق الموصللي إلغاء الرد