“لماذا نُفكر دائمًا في نهايات الأشياء
رغم أننا نعيش بدايتها !؟
هل لأننا شُعوب تعشق أحزانها ؟
أم لأننا من كثرة ما أعتدنا من الخوف
أصبحنا نخاف على كل شيء ، ومن أي شيء !
حتى أوقات سعادتنا ، نخشى عليها من النهاية !” ـ فاروق جويدة
الزمنُ هذا يا فاروق علّمني الفقد .. أعترف أني من النوع القلق جداً رغم اتّسامي بالهدوء والبرود أحياناً .. “لماذا نفكر دائماً في نهايات الأشياء؟ ” فعلاً لماذا يُشغلنا هذا التفكير أكثر من غيره .. ليس الأمرُ فقط لأننا اعتدنا الخوف فأصبحنا نخافُ من كل شيء .. ربّما من أجل كثرة ما نُصاب بالفقد .. نحنُ مرضى الفقدِ يا فاروق .. نفقِدُ كل شيء .. فما حولنا لا يدوم .. نحنُ نفقِدُ ونُفقد .. فاقدون ومفقودون في الوقتِ ذاته ورغم ذلك نخافُ منه !
نحنُ الذين اعتادت قلوبهم على الآلام والأحزان .. والخيبات والصدمات .. لازلنا نخشى الفقد! نحنُ الذين فقدوا أكثر مما يحتمل .. ولازلنا عُرضةً للفقدِ في كل يوم وكل ساعة تمضي ..
كان ذلك الصباح ، الأوّل منذُ رحيلِك ..
الكلمات التي أهرُب منها بالعادة .. رددتُها وأنا لا أعي أيّاً منها .. أكانَ ذاك وداعاً يا تُرى؟ حفظتُ كلماتك التي تخبرني بأنك سترحل ، “لا يهمّ .. اليوم أو غداً .. ولكن لا تفزعي إن استيقظتِ يوماً ولم تجديني ” .. لا أدري لمَ تفكّر بالرحيل دائماً؟ ولا أدري لمَ تجعلني أعتادُ غيابك المتكرّر .. امتهنت الغياب .. وأصبحتَ تُجيدُ البُعد أكثر ..
في كل مرّة ، أنتظر .. أعلمُ جيّداً بأنّ الطريق الذي أخذك .. سيُعيدُك إليّ .. وبأنّ زمناً جميلاً كان بيننا .. لن ترميهِ خلفك بتلك البساطة .. بحقيبةٍ صغيرة ، تضعُ فيها شيئاً منّي .. يشهدُ أنّي كنتُ يوماً هنا ، ثم تحملُ معطفاً خلف ظهرِك .. دسستُ فيهِ رسائلي التي لم تقرأها بعد .. ثمّ وعند انتظارك لطائرةٍ ستحملك بعيداً عنّي .. تنساهُ على الكرسيّ في صالة الانتظار الباردة تلك .. تلحقُ بك أُخرى غيري .. تقدّم لك معطفك وتسقُط رسائلي ويلتقطها غيرُك .. أهكذا الحياة؟
لكنّ رحيلاً كهذا .. أيقظَ فيّ شعوراً نائماً منذُ سنةٍ أو يزيد ، ذاك الشعور الذي ينهُش منّي دون أن أملِك أيّ وسيلةٍ لإيقافه .. رحيلك هذا أعادَ لي حُمّى الفقدِ التي كنتُ أتعاطى إبرَ الوقايةِ منها كلّ بضعةِ أشهُر ..
أذكُر جيّداً كم كنتُ قويّة حينها .. لم أبكِ كثيراً .. ربما لأنّ استيقاظي كان سريعاً جداً .. أسرع مما كنتُ أظنّ .. للدرجة التي لم أعي فيها ما كان يحدُثُ فعلاً. مضى اليومُ الأول والثاني وحالي كما هوَ .. حتى انقضى الأسبوع الأول برتابة مملة .. كنتُ أشعرُ دائماً بوخزٍ ما .. في قلبي تماماً .. كان يزدادُ ألماً كلما لمحتُ شيئاً منك في الذاكرة .. كنتُ أتحاشى المرور بك .. باسمك .. بأشيائك .. وبأيّ شيء يحملُ بعضاً منك ..
أيام مضت .. وساعات وليالٍ كثيرة انقضت .. وهذا البعدُ يفصلِنا .. وذاك الفقدُ يغفو على قلبي .. أسهرُ حتى لا يصحو .. حتى لا أفزع .. حتى لا يعود وأعودُ لأغرق بداخلي من جديد .. ما الأسوأ من أن تعيش بداخلك؟ مُحاطاً بك وأنت وحدك .. فلا ضوءٌ يخترِقُك .. ولا نبضٌ غير نبضِ قلبك الذي يخفقُ خائفاً من أن تموت دون أن يسمعُك أحدٌ غيرك ..
نحنُ ندّعي بأننا قادرون على تجاوزهم لكننا بالحقيقة نضعُف عند أول ذكرى تصادفنا لهم .. و نضعُف أكثر عند كل لحظة تجمعُنا بهم .. فيعود كل ما ظنناهُ أنهُ رحل .. المشاعر، و الأحلام التي صنعناها معاً .. كل شيء يعود .. ونعودُ نحنُ أكثرَ تشبّثاً بهم ..

هم جميعهم هكذا عندما نتعلق بهم ولا تكتمل ايامنا الا بوجودهم يتركوننا وكان شيئا لم يكن اتظنين انهم يعلمون ما هو الحب هم لا يعلمون سوى ان يجعلو من حولهم يبكون ويتألمون ومن شدة تعلقنا بهم لا نقوى على نسيانهم وحتى لو خدعنا أنفسنا بنسيانهم فنعود للاشتياق والحنين عند أول ذكرى تمر كالطيف في اذهاننا ,ويحهم لا يعلموا أنهم حطموا سعادة حصلت في حياتنا…….
مؤلمة انتي .. مجرمة !