
الشمسُ تسقطُ ببطء لتُكمل رحلتها إلى الناحية الأخرى من العالم. تتوارى عن عينيها مُفسِحةً لخيوط الشفق أن تتلوّن على مدّ بصرها، في لحظةٍ بدَت وكأنها ستستمرّ للأبد.
كانت تتمنى لو كان بمقدورها أن تلحق الشمس كلما غربت، كما كان “الأمير الصغير” يفعل، إذ كان يحرّك كرسيّه بضع خطوات فقط ليشاهد الشمس ترحل في اليوم ثلاثًا وأربعين مرة!
في داخلها ترفض الرحيل إلّا أنّ صوتًا ما لا ينفكّ يحثها عليه، ولم تكن تحبّ مشهد الغروب؛ إذ كان رحيلُ الشمس يدفعها أيضًا للرحيل، عن ماذا ومن ماذا؟ لا تعرف حتى هذه اللحظة.
صوتُ الموجِ يعلو على كل الأصوات الآن، يقتربُ ويطرقُ بابها مُخترقًا النوافذ المُغلقة، عابرًا كل هذا المدى الذي يفصلُ بينهما.
يُقال: ”البدايات مخيفة والنهايات حزينة عادةً، لكن ما يحدث وسط ذلك هو أكثر ما يهم.“
أتأرجحُ دائمًا ما بين فكرتين إحداهما متطرّفة والأخرى معتدلة – ربما -، في أيّام كثيرة جدًا أجدني أردّد:
”وحسبُ المنايا أن يكنّ أمانيا“
و ”فما أعجبُ إلّا من راغبٍ في ازديادِ“
وأسأل: تُرى كيف ستكونُ لحظة الخلاص؟ وهل أنا على استعدادٍ تامّ للّقاء الموعود؟ ويدهشني سعيُ الناس في الركضِ خلف هذه الحياة!
تُعيدني هذه اللحظة للمعنى الحقيقي لوجودي هنا وأتذكر:
”لا دار للمرءِ بعد الموتِ يسكنها
إلا التي كان قبل الموتِ بانيها“
فماذا بنيت؟
وفي ليالٍ أخرى أجدُ نفسي وقد أبحرتُ بعيدًا وانقضّت الأحلامُ عليّ تُعيدُ بناء أعشاشها على رأسي بعد أن هدمتها ونفضتها مرّة ومرتين وعشرًا.
وأجدني أسألُ من جديد:
وماذا بعد؟ لمَ لا تكفّين عن نسج هذه الأعشاش؟ من أخبركِ بأني شجرة؟ من قال لكِ أنّ لي جذورًا تمتدّ عميقًا إلى حيثُ لا أرى!
ومن عبث برأسكِ الصغيرِ هذا بأني سأمكثُ هنا؟
لي هذه الأغصانُ الرقيقةُ كما ترين، ليست لحمل أعشاشك وليست بقادرة على أن تحتضن ما تبقّى منكِ!
لكِ هذا الفضاءُ الممتدُ أمامكِ، ولكِ كل هذا الهواء، حلّقي حيثُ تريدين وتشبّثي بمن تودّين عداي، لستِ لي، ولستُ حتمًا لكِ، غادري.
السابعة والنصف صباحًا، أنا خلف المقود، أقتربُ من الوصول إلى العمل ويُنغّصُ عليّ: وماذا بعد؟
تارةً أشعر كما لو أني وسط فيلمٍ هزليّ يتكرّر، بنهاية مفتوحة، أجهلُ كيف بدأ، أواصلُ فيه لأن لا خيار آخرَ لديّ عدا ذلك.
الخامسة والنصف مساءً، أنا خلف المقود مجددًا، في طريقي إلى البيت، تُعاد بعض السيناريوهات والمواقف – التي حصلت خلال اليوم – في رأسي وأبتسم، أقول في داخلي بعد يومٍ طويل: الحمدلله.
أتوقف قبل الوصول للبيت في بقّالة الحيّ: أشتري ما أحتاج و ما لا أحتاج أحيانًا، أفكر في تجربة وصفة كعكة دافئة جديدة.
أدخلُ البيت وتبدأ حياة أخرى، زحامٌ من النعم أتقلّبُ فيها، أراها وأتلمّسُ لطف الله فيها ويُخجلني من ربي ذلك الصوتُ الكامنُ فيّ، يفكرُ في لحظات الختام ويلهجُ سريعًا بالدعاء: اللهم حسن الخاتمة، إلا أنّي في غفلةٍ منه أمدّ أغصاني وأُنادي حُلمًا فرّ مني حين صرختُ به مرّة وقد نهرتهُ بعدم الاقتراب، أُناديه ويحطّ على غصني، ألوذُ بصمتي وأسمحُ للصمتِ أن يتمدّد بيننا، يؤنسني هذا الاقتراب وأغرقُ في نومٍ عميق.
تجلسُ في الكرسيّ في الصف الثالث قبل الأخير، في المقاعد المصفوفة في منتصف المسرح، وفي مشهدٍ سرياليّ كما الحلم والشفقُ يودّع خيوطهُ الأخيرة قبل انسدال الظلام، تُغمضُ جفنيها في سلام، تبدو في هدوءٍ تامّ وقد أرخت كتفيها، لطالما كانت بهذا الهدوء – رغم كل شيء -.