”لأشركنّكَ في اللأواءِ إن طرَقت .. كما شركتكَ في النعماءِ والرغدِ“

صباح الخير وبعد،

دائمًا ما كان هاجسي ليس عبور المرحلة فقط وما يترتّب عليها من مشقة وتعب وصبر وجلَد عظيم، إنما كيف سيكون انتقالي منها؟ وكيف سأخرج منها؟ 

أعلم بأنّ لحظات الانطفاء مؤقتة، وأنه يتحتّم عليّ عيشها كاملة بالتأكيد! لكن تركيزي الأكثر كان على كيفية تجاوزي لها بأقلّ الخسائر الممكنة، مع تذكيري الدائم لنفسي في كيف سأربّيها على ألّا تُفلِت يد المسرّات الصغيرة، وأن تتذكر كل عين صافحت عينها باحتفاء وسرور، من كان صادقًا وفيًا وأشرَع الأبواب لها على الدوام ليُشعرها بأنها مرغوبة ومُرحّب بها، أن تتذكر كل ابتسامة وكل يد ربّتت على فؤادها في أيام وليالٍ عديدة، وأنّ الحياة – مهما كانت بثقلها – إلا أننا يا نفسي وروحي العزيزة كنا ولا زلنا نُكابدها ونقطعها طولًا وعرضًا بفتحٍ من الله وفضل ثم بمعيّة الرفقاء الذين شاركونا الرحلة.

الرحلة فردية نعم، لكنها تلك الأرواح التي نقابلها على طول الطريق هي من تصنع لهذه الرحلة معنى وقيمة أعظم وأكبر.

حتى أولئك الذين قدّموا لنا أقسى الآلام وأشدّ الصفعات علّمونا وأناروا لنا الطريق، أشاروا لنا بعلامات تحذّرنا كيف نتجنّب أشباههم في مراحلنا القادمة، وتركوا عظيم الأثر في نفوسنا من دروس نورّثها حتى لأبنائنا وأحفادنا.

الرحلة فردية نعم، لكنها مسؤوليتنا نحن حين نختار من نشدّ على يده ولا نُفلتها حين يمدّها لنا، وأن نتعلم كيف ولمَ نضطرّ لإفلاتها والمُضيّ في الطريق بدونها، حين نختار من نشاركه لحظاتنا المؤلمة منها والسعيدة وأن يبادلنا كذلك، أنّ الرحلة وإن كانت أرواحنا تشعر بالغُربة وبالتعب فيها إلا أننا يجب أن نُذكّرها بأنَ الله لم يخلقها لتشقى وحدها، وأنّ الله أرسلنا لبعضنا، أن نستند على بعضنا في أوقاتنا تلك، أن نكون على قدرٍ من الوضوح لمن نحب، ألّا نُداري حتى ما ألمّ بنا من شعور، وأن نمنحهم الراحة والأمان، وأن نتعلّم أنّ الكلام حلوٌ وطيّب، وأننا نستحقّ أن نُحَبّ ونُحِبّ، أن نُعطي ونُعطى، وأنّ الندم قاسٍ، وأنّ الفُرص لا تُمنَح مرّتين، وأنّ السعادة مُعدية فاختَر رفيقًا مؤنِسًا ليّنًا، يلمّ شتات قلبك في ساعة العُسرة ويقتسمُ أفراحه وأحزانه معك.

أن نتعلم أن نرى ما يُرادُ منّا أن نرى بعين البصيرة، ألّا نغفل إشارات التحذير وإشارات الترحيب كذلك، أن نكون متيقظين على الدوام على كل منع ومنح من الله والتفكر في حكمته سبحانه، أن يظلّ هذا الإيمان شعلةً وهّاجة في قلوبنا لا تنطفئ، أن نحرسه ونرعاه بكل الحب والرضا والتسليم.

الرحلة فردية نعم، لكنّ الله معنا، والحياة تستحقّ منّا الصبر أكثر.

إلى رفقاء الدرب الذين تفرّقت بنا السبل شكرًا على ما كان.  وإلى رفقاء الرحلة اليوم، لا تُفلِتوا يدي.

السبت، الساعة العاشرة صباحًا.

6 رأي حول “”لأشركنّكَ في اللأواءِ إن طرَقت .. كما شركتكَ في النعماءِ والرغدِ“

أضف تعليق