في وداع الأشياء.

قبل بضعة ليالٍ، الساعة ١:١١ صباحًا

مفاتيح لنصوص عديدة تحومُ في رأسي، ومقدمات أخرى كثيرة كنتُ أبدأُ بها فقط في عقلي، وأتهرّبُ من الخوضِ في كتابتها كل يوم طوال الأسبوع الماضي، الآن والساعة تُشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل، بعد أن أطفأتُ النور ووضعت رأسي محاولةً النوم، إلا أنّ عقلي لم ينفكّ يتخيّل أشكال النصوص القادمة، هل تُلاحقني الكتابة هذه المرة وأتعلّلُ في صدودي عنها بضيق الوقت؟

يطاردني قلقٌ بأنّ الكتابة هذه ستأخذني إلى دهاليز عميقة وطويلة لا أملك الوقت الكافي أو القدرة الكافية لقطعها وتجاوزها والسير فيها!

ألومُ القهوة هذه الليلة، إذ أنني كنتُ مواظبةً على النوم باكرًا وعلى عدم شرب المنبّهات في المساء.

أكتبُ الآن وأنا على أعتاب نهاية رواية المطر الأصفر التي لا أرغبُ بالانتهاء من قراءتها، على قصرها إلا أنها طرقت أبوابًا عديدة في ذاكرتي، واستطاعت أن تُخرِج ما كان مدفونًا وما ظننتهُ منسيًا!

“هناك لحظات في حياتي تختلط فيها الذكريات بالأيام، نقطة غير محددة، وغامضة تذوب فيها الذاكرة كالجليد، ويتحول الزمن إلى مشهد ثابت صعب الإدراك، وربما مرّت سنوات منذ ذلك الوقت – ربما هناك من أحصى السنوات في مكانٍ ما – وربما لا.”

الآن وأنا أقرأ هذه الرواية بدأت أعي جيّدًا بأن الذاكرة هي ما تُبقينا أحياء، هي سلوانا بعد الله، وأنها الشاهدة على كل الحيوات التي عشناها والتجارب التي خضناها، بحلوها ومرّها، وبأننا دون ماضٍ، ودون ذكرى، ودون بعض الآلام المرتبطة بها سنكرّر الكثير من أخطائنا، و لن نكون أبدًا قادرين على قراءة هذا الحاضر ولا على فهم مجرياته، ولا على التطلّع لمستقبلٍ نأملُ فيه أنّ ما تعلّمناه البارحة وما تجاوزناه وفهمناه سيُثمرُ فينا اليوم وغدًا.

“لكن كما تولد الكلمات وتخلق حولها الصمت والغموض، تترك الذكريات حولها غيوم الضباب أيضًا، سحاب ضبابي ثقيل ومتغير، ينشر حولها جنون السنين ويحوّل الذاكرة إلى مشهد شبحي غريب.” 

تُباغتني أحيانًا ذكرى، لا أصدّق بأني عشتها أو مررتُ بها، مخيفٌ أن تُطلّ على بعض الذكريات دون شعور، دون ألم، ودون أيّ شيء، ولَكَم يُقلقني هذا؛ إذ على الألم أن يظلّ حاضرًا في الذاكرة دون أن ينغّص علي، أريدُ للألم أن يبقى كهيئة تذكارٍ أو منبّهٍ داخلي يذكرني بضرورة الابتعاد، تمامًا كما يتذكر الطفلُ بعد أن تلسعه حرارةُ كأس الشاي مرةً ألّا يلمسهُ مجدّدًا.

وعلى الجانب الآخر من الذاكرة، يدفعني مشهدُ لمعان أشعة الشمس على البحر على استحضار صورةٍ في مخيّلتي لم تتركني منذُ صغري، تشدّني نحوها، بعيدًا عن اللحظة الحاضرة، وبعيدًا عن جسدي وعيناي اللتين لا زالتا غارقتين في المدى الممتدّ، من فوق الجسر الذي أقطعه الآن، نحو لحظةٍ أخرى حين كنت أُلصِقُ وجهي على نافذة السيارة، متأمّلةً توهّج الشمس على موج البحر، وأخرى كذلك وأنا جالسة على الشاطئ، أضمّ ساقاي وركبتاي نحوي، مُبحرةً بخيالي، إلى نقطة بعيدة، أفكر فيها أين ينتهي هذا البحر وماذا يوجد هناك على الشاطئ البعيد، كبرتُ بعقلٍ لا يهدأ، يُبحرُ دائمًا، مستغرقًا منغمسًا إلى أبعد وأعمق نقطة من اللحظة ذاتها.

منذُ يومين تقريبًا، انتهيتُ – أخيرًا – من المطر الأصفر، أجّلتُ وداعها كما لو أني أؤجّل بالحقيقة وداع بطلها الذي كان يحمي قريته الصغيرة من الموت.

بدأتُ على الفور بكتابٍ آخر لكنني لم أستطِع الانغماس فيه حتى أودّع الكتاب السابق كما ينبغي؛ وأعني هنا أن أودّع مشاعري التي كان بطل الرواية يخاطبها، بوصفه لمشاهد القرية وهي تودّع أصحابها وأهلها، وبالشتاء وهو يدخلُ البيوت ويُخيّمُ في الأجواء، وبالصور التي كانت الذاكرة تجلبها له، حيّة وواضحة تارةً، وضبابيّة ورماديّة تارةً أخرى، تُباغتهُ في أوقاتِ صحوه، وحيدًا يواجهُ بها وحدته وعُزلته. لا أشعر بأني اكتفيت منها، كانت قراءتي للرواية بمثابة حديثٍ عميق مع صديقٍ مقرّبٍ جدًا، ذاك الصديق الذي تأخذهُ معك إلى تلك الزوايا المظلمة من روحك والتي تكره الحديث عنها أو انكشافها لأحد.

في اللحظة التي تودّعُ فيها السماء آخر خيوط الليل، مودّعةً معها كل أحاديث الليل، كل تلك الأفكار التي تضجّ بها عقولنا وتضيق معها أرواحنا. مؤمّلين مع الفجر لقاء الشمس الذي يُبدّدُ معها عتمة الروح. في اللحظة التي تترك فيها طريقًا لتسلك آخر، وتترك نسخةً أخرى منك لعلّك تنجح هذه المرة في لقاء نسختك الأفضل، تلك اللحظات المفصلية في حياتك، التي لا تتكرّر إلا إذا لم تُدرك الدرس في المرات الأولى، تحلّ هذه اللحظة المفصلية بمثابة صفعة، لحظة إدراك تُعيدك إلى وعيك، وتذكّرك أو توجهك إلى أيّ طريقٍ تسلك، ستأخذ بيدك وتُشيرُ إلى ذاك الطريق الذي قد لا يبدو لأوّل وهلة طريقك المفضّل، لكنك ستسلكه، هكذا كان وهكذا يجب.

“سابقًا، كان يؤرّقنا رحيلُ من نحب، والآن يؤرّقنا رحيلنا المستمر وعدم تورّعنا في المفارقة أو الاستبدال. لأننا غارقون في ما لا يدوم، كل الأشياء أقل من أن تبقى.”

هذه مقولة سمعتها، وبدَت لي صادقة أكثر من اللازم، صادقة للحدّ الذي – قد – نكره حتى بالاعتراف بها!

ولأن الدوام ليس من سماتنا، ولأنّا خُلقنا للرحيل، أودّعُ في قلبي أولئك الواقفون في المنتصف، وأودّع تلك الأشياء التي بين بين، أودّع كل ما لم يكن وما ليس حقيقيًا، وكل ما لم يكتمل، وكل ما يبدو ضبابيًا.

أودّعُ هنا كل فكرةٍ شاردة وواردة، تلك التي بدأت ولم أستطع التعبير عنها كما أودّ، أودّعُ كل اللحظات العالقة، والمؤجلة كذلك، أودّعها في هذا الوقت لأن أوانها لم يحُن، أودّعُ كل انتظارٍ كنت أنفيهِ بكبرياء، عن كل ما لم يتجلَّ ولم يتّضح بعد، وداعًا.

رأيان حول “في وداع الأشياء.

أضف تعليق