”ويا جذوة الشوق ماذا هنا؟ سوى السور والباب والحارس“

السماء تتحوّل إلى اللون النيلي الغامق، مودّعةً آخر خيوط شفق المغيب، يعلو صوتُ العصافير المختبئة بين الأشجار وعلى الأغصان مخترقًا هذا السكون، وسحابةٌ كبيرة يبدو بأنها متجهةٌ نحونا.

من بعيد ومن بعيدٍ جدًا، ألمحُ عمّي واقفًا ورأسه يتجه أينما اتجهنا، أنظرُ خلفي أحثّ قريباتي باللحاقِ بي، وأنا أُشيرُ بيدي إلى تلّةٍ مرتفعة قليلًا. 

صوتُ الشاحنات في الطريق العام بات عاليًا وواضحًا أكثر، ويدُ عمي تلوّح لنا من بعيد، وصوتُه يتردّد في المكان أن اهبطوا الآن، وابتعدوا عن الطريق العام.

عُدنا وحلّ الظلام، وبدأ البرد يتسلّل إلى أجسادنا الصغيرة، كان الصبيان متحلّقين حول اثنين منهم، ركضنا نحوهم مدفوعين بالفضول، وعيني تقرأ وجوههم جميعًا حتى استقرّت في وجهه، لمحة من الحزن الذي لم أفهمه حتى هذه اللحظة، كان طرفًا في النزاع الذي لم يخبرني بتفاصيله كاملة فقط لأني قلت للآخر بأنّ الحق معه. 

ومنذ ذلك الحين وعيناه الحزينتان تلاحقاني، حتى بعدما وارى جسدهُ التراب ورحل.

اليوم قُبيل المغرب بقليل، أقرأ “المطر الأصفر” استوقفتني مشاهد عدّة وأسرني سردُ الكاتب لمشهد القرية وهي تحتضر، بلسان آخر قاطنيها وهو يصفُ رحيل زوجته وأصحابه وجيرانه، في القرية التي رحل منها الجميع. 

لا أعلم كيف ولمَ قرّرت ذاكرتي أن تأخذني عميقًا إلى لحظات عشتها، وصْفهُ للحظات السكون، والخريف وهو يدقّ الأبواب مع اقتراب نسمات البرد الأولى، شكل السماء الملبّدة بالغيوم والشوارع المبتلّة ورائحة العشب بعد المطر، الكثير ممّا يحفّز هذه الذاكرة لاستدعاء الكثير من الذكريات!

أحيانًا، أشعر بأني أشتهي الكتابة، أعني أن أُبحِر بعيدًا نحو أكناف مخيّلتي، لكن تخونني اللغة، وتخونني الكلمات، أشعر بأن الكلمات تهرب مني، من عقلي، وهذه الكلمات التي بين يديّ الآن لا تكفيني، ولا تكفي لكتابة قصة قصيرة، أشعر في هذه اللحظة الآن كما لو أني أسابقُ الوقت، أشتهي أن أكتب وأودّ للحظة الكتابة هذه أن تكون عظيمة ورائعة، كلقاء صديقٍ قديم أتشوّق لرؤيته والجلوس معه، ينبغي للّحظة التي أكتب فيها أن تكون مدهشة وغنيّة وخلّاقة! هكذا أُخبر نفسي وهكذا أعِدها وأُمنّيها.

أخشى دائمًا أن أبدأ بالكتابة ويقاطعني أحدهم، أو يتأخر الوقت وأتجاوز موعد النوم، أو تتوقف الحياة فجأة وأؤجل كل ما كان عليّ إنجازه هذا اليوم. لكنها الكتابة عنيدة! لا تقبلُ القسمة ولا التأجيل ولا المفاوضة.

مؤخرًا، تبدو الكتابة – بالنسبة لي – فعلٌ مؤجل، ولحظةٌ مؤجّلة أتطلّعُ إليها بكل شوق وحماسة.

أُبحرُ فيها إلى ما وراء السور، أُفلِحُ في تجاوز الحارس النائم مرةً وأفشلُ مرّاتٍ عديدة، وأبقى خلف الباب، وألفُ ألفُ يدٍ تمنعني، أبيتُ بجانبه ليالٍ، علّني في لحظة فتحٍ وصفاءٍ ربما، أجدُ المفتاح. 

أتساءلُ تُرى كيف يبدو ما خلف الباب؟ وكيف يبدو شكل الوصول؟

كل ما تفعله الكتابة هي أن تخفّف من وطأة هذا الانتظار وتحرص على بصيص الأمل أن يظلّ مشتعلًا على الدوام لا مضيئًا وحسب، أن يظلّ منارةً أهتدي بها كلما أعتمَ الطريقُ في وجهي، وتذكرني بأن رصيد المحاولات لا ينفد. 

يقول عبداللطيف بن يوسف:

“سئمتُ إنتظاري مَن لو دَنا

سيروي ظما قلبيَ اليابسْ

أأهمسُ يا نارُ كوني لنا

لنَدخُل في بردكِ القارسْ

ويا جذوةَ الشوقِ ماذا هُنا؟!

سوى السورِ والبابِ والحارس”

رأيان حول “”ويا جذوة الشوق ماذا هنا؟ سوى السور والباب والحارس“

  1. تأخرت في قراءة التدوينة هذه المره علي غير عادتي ولظروف قاهره…. لكن حين وجدتها وقراءتها ادركت اني افتقدتها كثيرا كثيرا

أضف تعليق