”كم يا تُرى ماتت بصدرٍ أجوبة!“

أتشبّثُ بماذا؟ لا أعلم.

تشدّني العتَمة نحوها، تسحبني وأغرق.

أسقطُ في الظلام، أحاولُ الصعود إلى السطح إذ أحملُ جسدي محاولةً الطفو، أضربُ بقدميّ للأسفل كما يفعلُ غوّاصٌ حين يصعدُ للأعلى، لكن لا موجَ يحملني، ولا موجَ يدفعني، ولا ماء لأدفعه. هذه الحفرةُ المعتِمة كثقب أسود تجعلني عائمة وتجرّدني من قوّة الثبات، من أن أقف على قدميّ في أرضٍ مستوية ومستقرّة.

أصرخ دون صدى ودون أن أسمع صوتي. لا مدى أمامي سوى السواد الممتدّ. 

أعودُ وأسألُ من جديد، نتشبثُ بماذا يا أسمى؟

لا شيء واضح. ولا يبدو بأنَ أيًّا من الأمور سيتّضح! على الأقل الآن.

لكن لا يهمّ، نعم لا يهمّ.

هل وضوحها حينئذٍ يعني تمامها ودوامها؟ 

بالطبع لا، إذًا علامَ كل هذا الوجوم؟

كل شيءٍ هالكٌ إلا وجهه سبحانه، هذا الظلام هالك، وهذا السواد الذي يُخيّمُ على ما حولي ويُفقدهُ لونه وأثره علي، حتمًا مصيره إلى زوال كما هو مآلُ كل شيء. 

يتنامى في قلبي يقينٌ غريب، يغتالهُ بين الفينة والأخرى قلقٌ أزليٌّ قديم لا يدعني وشأني مهما كبرت بنا الأيام. 

يبقى اليقين منتصرًا شامخًا رغم كل ما كان وما سيكون، هكذا أقول وهكذا أظن وهكذا أؤمن. 

تقولُ لي طفلةٌ أعرفها وتعرفني: لا بأس، تحضنني بقوّة وتقولُ من جديد وهي تنظرُ في عيني هذه المرّة: لا بأس.

أبتسمُ بعينين حمراوين من طول البكاء وأقول: كم لا بأس نردّدها؟ 

كنتُ أنظرُ لنفسي في المرآة، وأرى الطفلة في عينيّ، ويهبطُ عليّ ليلٌ من أسى، وفي القلب ما في القلبِ، لا رمقٌ يكفي للفظِ زفرةٍ قد طال حبسها فيه. 

تتفلّت تنهيدة كافية لالتقاطِ أنفاسي قليلًا، أعبّ ما استطعتُ من الهواء، وأهدأ. 

—-

البارحة كنتُ في المكتبة، بعد يومٍ طويلٍ جدًا وبعد أسبوعٍ مُرهقٍ جدًا كذلك، أتأمّل شاشة حاسوبي المحمول وأفكر بكل الأفكار المكتوبة أمامي، أحاول إعادة صياغتها وتشذيبها قليلًا، عقلي لا يودّ الاستمرار في ذلك، ويذكّرني بمدى التعب الذي ينخر كل خلية من جسدي، وأتذكّر كم لحظة مرّت اليوم كنتُ فيها لوحدي دون أن أفكر بشيء ودون أن يشغلني شيء؟! شعرتُ حينها بتنفسي يضيق ويضيق، أحاول أن أفكر كيف بمقدوري أن أُدخِل الهواء إلى صدري، حاولت أن أركّز في اللحظة الراهنة دون استحضار كل الرهق الذي لا زال يتمدد في داخلي! 

وضعت يدي على قلبي أطمئنه، هل كنت أخدعهُ كما أفعلُ عادةً في تهدئته وبأن كل شيء على ما يُرام؟ 

ولماذا تُعدّ هذه خديعة؟ لم أكذب لكن سيكون كل شيء على ما يُرام بإذن الله، لا أعلم ماذا جرى لكني كنت أركض بسرعة، أعلى من سرعتي المعتادة، وتماديت في حمْل العديد من الأعباء لأني – كما ظننت – بأني أستطيع! 

وعلى ما يبدو، كان الحِملُ أثقل قليلاً هذه المرّة. 

يغالبني النعاس وأقاومه، أحدّق في الفراغ الذي تشغلهُ بعض السطور الآن، كيف خرجت من جوفي أثناء مقاومتي للنوم؟ ولمَ أقاوم؟ 

أقول: لا زال في داخلي الكثير، ولم أقل بعد ما وددتُ قوله، لا زلتُ أسير بتخبّط نحو كل الكلام الذي ينتظرني لأكتبه. 

يباغتني النوم، وأفتحُ عيني وأغلبه، ثم لا ألبثُ أن أستسلم أخيرًا وأنام.

—-

كتبتُ النص بالأعلى منذ بضع ليالٍ ثم عدتُ البارحة لأُكمل ما بدأت حتى غلبني النعاس.

أكتب الآن وأنا في الطائرة، رأسي يترنّح، كاد الكتاب أن يسقط من يدي، صرفتُ النظر عن القراءة وقررت أن أكتب، لا فائدة! كيف أغفو وأنا أكتب؟! كيف؟!

فتحتُ عيني على اتساعهما محاولةً إيقاظي من كل الغفوات المباغتة؛ إذ لطالما كانت علاقتي بالنوم هكذا، أهربُ منه ويهربُ مني، نركض ونهرب من بعضنا، نادرة هي المرات التي نتفق فيها ويُلبّي حاجتي له أو يفهم عدم رغبتي به.

تقول رضوى: “كيف يأتي النوم؟ ومن أين يأتي والأسئلة تتكاثر عليّ وتطن في رأسي وتُعذِّب كأنها ربات العقاب؟”

أضف تعليق