عيد القلب

يحلّ العيدُ مختلفًا هذه المرّة، هادئًا .. هكذا شعرت.

أتفقدُ قلبي كأم تتفقّد صغيرها وهو في حضنها، تُطلّ عليه وتتمعّنُ في ملامحه وتردّد بالحمدلله، مرّة ومرّتين وثلاث، تبتسم وتعاودُ الحمد. 

أسأله: كيف حالك اليوم؟ 

يُجيبني هذا الهدوء في دقّاته، يُجيبني اتساعه ومحاولاته واستمراره في ضخّ المزيد من الدم، ولا أعلم كيف احتوينا بعضنا في الأسابيع والشهور الفائتة، وكيف تحمّلني طوال تلك الأعوام الماضية أيضًا، لولا لُطف الله ومعيّته لنا.

كان عليّ أن أتعلّم الكثير لكن هذه المرّة في وقت قصير جدًا وكأن الدروس لا تأتِ فُرادى! 

في خضمّ كل ما كان يحدث، تعلمت خلال هذه الرحلة كيف أستمع لقلبي، وأستجيبُ له مرّةً وأزجرهُ مرّةً معاتبةً إياه خوفًا وحِرصًا عليه: 

“يا قلبُ اتّئد!”

أعود لأسئلهُ مجدّدًا: هاه يا قلب، صامدون؟ 

فنبتسم معًا. 

يقول درويش:

“ولنا أحلامنا الصغرى، كأن

نصحو من النوم معافين من الخيبة

لم نحلم بأشياء عصيّة

نحنُ أحياء وباقون، وللحلم بقيّة”

نمت البارحة جيّدًا، وهذا قلّما يحدث في ليالي العيد! أجلس الآن وسط كل هذا الهدوء بعد أن نام الجميع وسقطوا في غيبوبة العيد. أسمعُ صوت أفكاري بشكل واضح وجليّ، تنفسٌ بطيء .. وقلبٌ مطمئنٌ أودع الرحمن رغباته وأحلامه في عرفة طمعًا في قبولٍ واستجابة من المولى العزيز القدير سبحانه.

تُطلّ عليّ بعض الذكريات السعيدة في أعيادٍ مضت قريبة وبعيدة، أستقبلها بهدوء وأبتسم، أتذكر مشاعري وقتها وأفكّر في تغيّر الأحوال وتبدّلها وأسلّم لله أمري كله، كيف يُبدِلُ الله الحزَنَ رضًا وطمأنينة.

لا أتوقُ لأيّامٍ مضت، ولا أتمنى أن أستعيد أي لحظة، حتى السعيدة منها، فلم تعد نفسي هي نفسي، ولم تعُد المباهجُ نفسها ولا الناس هم هم.

قد يبدو بحديثي هذا بعضُ المبالغة؛ لكن أن تجرّب مواجهة ليالٍ متواصلة من القلق، من أن تستيقظ فزِعًا من نومك في الساعة الثانية أو الثالثة فجرًا بدون أي سبب، تتأمل العتمة المحيطة بك، تلك العتمة التي كنتَ تكابدُ ألّا تمتدّ إلى روحك، تسأل نفسك: تُرى ما السبب؟ تسأل الكثير من الأسئلة التي لم تجد أيّ إجابةٍ لها، تشعر بأنك بخير، تقول بأنك بخير، وتبدو بخير – أو هكذا تظن -.

كان ظاهرك متماسكًا وصامدًا، بينما يصارعُ قلبك عقلك، وروحك تقبع بين أضلاعك أسيرةٌ بينهما، اعتدتَ على هذا الضجيج، اعتدتَ على أن تُسكِته دون أن تسمعه، اعتدتَ أن تهرب منه بالمشاغل تارةً وبالنوم تارةً أخرى. والآن .. يبدو الهدوء أغلى ما تحاول الحفاظ عليه؛ فحين تشعر به فعلًا، تعلمُ يقينًا بأنه الشيء الذي ستقاتلُ دومًا على الحصول عليه مهما حصل! 

كان هذا العيدُ هادئًا، رغم محاولات الضجيج في التسلّل إليّ، لكني عوضًا عن الهروب منه، كنت ألجأُ للكتابة. 

بات القلم والدفتر والملاحظات في هاتفي هم أصحابي الذين لا يمرّ يوم دون أن أدوّن في أيٍ منهم بعض السطور.

كلما شعرت بالرغبة في التعبير، في التخفّف من ثقل الشعور، كتبت. كانت الكتابة بعد الله منقذتي وكما قلتُ سابقًا ولا زلت، هي عكّازي الذي أستندُ و أتكئُ عليه بعد الله.

منذ أيام وأنا أفكر بكل الأوقات التي أضعتها، والتي لم تضِع هباءً بالتأكيد؛ إنما كانت تكلفة الدرس باهظة قليلًا هذه المرة.

هل كان الأمر يستحق ذلك؟ نعم.

نعم، لأني أيقنتُ بأنّ الدرس كان مكتوبًا ومقدّرًا له أن يحدث لا محالة، وحتمًا جاء في توقيته الذي رآه ربي مناسبًا لي.

ونعم جدًا، لأن سقوط الأقنعة مكلفٌ أيضًا.

أعودُ لأسأل: تُرى من الخاسر بعد كل هذه الانكسارات؟ 

لا يهمّ، المهم أن ننجو بأقلّ الخسائر الممكنة والحمدلله.

يقول علي الطنطاوي:

“العيد في حقيقته عيد القلب، فإن لم تملأ القلوبَ المسرَّةُ، ولم يُترِعْها الرضا، ولم تعمّها الفرحة، كان العيد مجرد رقم على التقويم.”

أسألُ الله لكم أعيادًا مطمئنة وهادئة، بقلبٍ راضٍ وسعيد. 

١٠ ذو الحجة ١٤٤٦

أضف تعليق