
بسم الله المُحيي المُميت، باعث الحياة بعد الموت، ومُخرجنا من الظلماتِ إلى النور، الحيّ الذي لا يموت، الباقي حين لا يبقى أحد، الأحد الصمد، لا حول ولا قوّة إلا بك، لك الحمدُ حتى ترضى ولك الحمدُ إذا رضيت ولك الحمدُ بعد الرضا.
عُدت للنشر هنا في المدوّنة قبيل رمضان، كنتُ قد اكتفيت قبلها في النشر أحيانًا على ستوري انستقرام وبعض المنشورات، لكن منذ عودتي للتدوين وأنا أشعُر بأني مليئة بالكلمات، بالأفكار وبالمشاعر، كنت ولازلت أشعر بأني أحملُ العالم في قلبي، كانت هناك تلك الطاقة العظيمة التي تدفعني لاحتواء الآخرين، حتى تعلمت كيف أحتوي نفسي، أن أحبها وأُشفِق عليها حين تحتاجني أن أُشفق وأحنّ عليها، كان استماعي لنفسي يعني احتوائي لها بالكتابة، باقتطاع بعض السويعات في اليوم لها، وأحيانًا في قضاء يوم كامل فقط لي وحدي، أن أُحضّر لنفسي طبقًا لذيذًا، أن أشرب قهوةً من مقهاي المفضّل، أن ألتقي بصديقة جديدة تعرّفت عليها، أو أمضي بقية المساء بصحبة صديقة أخرى قديمة نشرب مشروبنا المفضّل في مطعمنا الذي نحب وعلى طاولتنا المعتادة نسكبُ أحاديثنا التي لا تنتهي. وأن أقرّر أخيرًا التخلّص من بعض العادات واكتساب أخرى جديدة وهذا ما بدأت به بالفعل الحمدلله.
كتبت في تدوينتي الأولى لهذا العام في فبراير:
وما نحنُ إلا اختياراتنا؟ وما نحنُ إلا ما نختار وما نقول وما نسكتُ عنه وما نذهب وما نبتعدُ عنه وما نُقبِلُ عليه!
أؤمنُ جدًا برسائل الله حين تأتي على هيئة درسٍ وإن كان صعبًا وثقيلًا، على هيئة كلمةٍ تُلقى عمدًا أو بلا اكتراثٍ من أحدهم وتكون بمثابة صفعة تُعيدُ ترتيب الموازين والأولويات لدينا، على هيئة لُطفٍ وإحسانٍ من أحدهم، أو كلمةٍ طيّبة، أو شعورٍ يرسلهُ الله استجابةً وعطفًا وجبرًا لقلوبنا.
أؤمن جدًا كيف للبعض أن ينسحب من الصورة في توقيتٍ ما يختاره الله، وكيف للبعض أن يدخل ويصبح الشخصية الأبرز الآن، ومن هي كل تلك الشخصيات المساعدة أو الكومبارس كذلك، تلك التي قد تُنغّص عليك هدوئك والأخرى التي قد تكون رفيقتك في رحلتك، ومن سيمدّ يدهُ إليك ومن ستترك أنت خلفك، ومن ستفتح له الطريق مُرحّبًا، ومن لن تفتح لهُ بابك مُجدّدًا، نحنُ نِتاجُ كل من نخالط ومن نعتزل. نحنُ كل تلك الاختيارات.
أحاول تذكّر ما دفعني لكتابة هذه الفقرة تحديدًا! لا أعلم، لكن سبحانه وحده من يُزيل عنّا الأذى والشعور، وأحيانًا تلك المشاهد التي كنا نظن بأننا سنبقى أسرى لها لكنهُ إن شاء بلُطفه ورحمته أن يمحيها من ذاكرتنا، ويبقى الدرسُ محفورًا بداخلنا حتى نتعلم ونعتبر.
الوقت كفيلٌ بكل شيء، هذه مقولة أؤمن بها، المهم والمهم جدًا بأن تكون مليئًا بك من الداخل، أن تملك اهتمامات عديدة، وأن يُحيط بك أصدقاء رائعين، وأن تتعلم كيف تحكي وتكتب، وترسم. اختَر طريقتك في التعبير، مارِس رياضةً مُحبّبةً لديك، وجرّب بدل أن تكون الشخص المتحدّث، كُن أنتَ المستمع، جرّب أن تُعطي من وقتك لمن تُحبّ، أن تُهدي صديقك المقرّب شيئًا تحبّه، اكتُب قائمةً بكل ما فعلته يومًا وشعرت وقتها بشعورٍ جيّد، اعرف مفاتيحك كما تعرف مفاتيح من حولك، ارسم خريطةً تعودُ بها إلى قلبك ونفسك في كل مرة، حافظ على أذكارك وداوِم عليها وهذهِ أهمّ نقطة.
كتبتُ في أوّل رمضان بداية كل البدايات، ولم أدرك وقت كتابتي التدوينة تلك بأنّ رمضان سيحملُ معه بداية كل البدايات فعلًا! لا أعلم كيف جاءتني هذه الفكرة اليوم بأن أعود لقراءة تدوينات هذا العام الذي انتصفنا بهِ سريعًا! كما لو أني أقوم بمراجعة دروسي وتثبيتها مع تدوين بعض الملاحظات؛ رغم أني أمضيت ليلة البارحة أكتبُ نصًا آخر كنتُ قد نويته ليكون تدوينةً لهذا اليوم، لكن لعلّي أشارككم به لاحقًا إن شاء الله في تدوينة منفصلة.
هذه الرسالة لقلبك المتعب، لأقول لك اليوم: لا بأس، لا بأس أن تنطفئ، واستمع مرّةً بل أنصِت ولو مرّةً لقلبك، وانظر ماذا يرى؟ لا بأس أن تخونك بصيرتك مرّة وتُخطئ الاختيار، لا بأس ألّا تُصيب.
الأمرُ ليس مرهونًا للعقل وحده، و اطمئن.. ما أنتَ إلا بشر، أنت بعاديّتك، هي ذاتها العاديّة التي تجذبك في أحدهم، حين يُخطئ فتحنو عليه وتمسح على قلبه مطَمْئنًا إياه بلا بأس، هي نفسها لا بأس كرّرها على قلبك أيضًا واطمئن.
درسي الأول في هذا العام هو تقبل الأخطاء بل والاستمتاع بها كونها جزء من بشريّتنا، بدأت القصة هكذا:
كمن يُشاهدُ سقوطَ نسرٍ من أعلى قمة جبلٍ شاهق إلى هاويةٍ لا تدري أين يبلغُ مداها، وبلحظةٍ كانت أسرع من أن تلتقطَ أنفاسك أو أن تستوعب ما جرى، كان النسرُ قد سقط وانتهى أمره ولم يعد على مرأى منك.
لم تكترث أن تركض باتجاهه ولا أن تحاول البحث عنه أو تفقّده، يشهدُ الله كم من مرةٍ حاولت أن تمدّ لهُ يد العون لكنه في عليائه وفي فلكه الخاص، لم يكن يرى ولن يرى، كان قد تناولَ وجبتهُ الدسمة كما يحبّ، انقضّ عليها كما أراد، هل كان يفكر أو هل كان قاصدًا أن يذهب نحو حتفهِ بهذه الطريقة أم أنهُ قرّر أن يُجرّب حظهُ فقط متباهيًا بقدرته على التهامها كلها دفعةً واحدة؟ أم كان ذاك جوعًا أعماهُ عن الحقيقة التي تنتظره؟ أم لم يكن يفكّر بأي شيءٍ على الإطلاق!
خانتهُ جناحاه حين قرّر الطيران، وعِوضًا عن أن يرتفع أكثر للأعلى، كان يتداعى، ويسقط، لم يسقط نسرًا مَهيبًا، بل بدا من بعيد غُرابًا ضعيفًا اختار بنفسه نهايةً مأساوية تُشفق فيها عليه.
تعلمتُ مؤخرًا، أقصد أيقنت أيقنت بل وتأكدت، أنه لا يتوجب علينا إيجادُ أجوبةٍ لكل الأسئلة، بعض الأسئلة إجابتها فيها، دون أن نُكلّف أنفسنا عناء إجابتها أصلًا.
لا أعني هنا بالطبع أن نكفّ عن الأسئلة، أو أن ينطفئ الفضول والشغف للمعرفة، بل أعني تلك الأسئلة التي نعرفها جميعًا، لماذا يفعل الآخرون ما يفعلونه؟ أي ما نبحث عنه إجابةٌ ليس بوسعنا معرفتها وبرأيي: لا يهمّ معرفتها ولا يجدُر بنا السعي إلى معرفتها حتى! لماذا؟ لأنهم اختاروا أن يسلكوا طريقًا آخر، اختاروا هذا الفعل تحديدًا، الإجابة ضمنية، فلمَ السؤال!
نعود لقصتنا بالأعلى؛ لماذا سقط فعلًا؟ أو كيف سقط؟ من الممكن القول بأني صاحبة القصة وأردتُ للنسرِ أن يسقط، هكذا ببساطة، أليس كذلك؟ أو كما يُقال “المُخرج عايز كده” أو “المعنى ببطن الشاعر”، لن نذهب لبقرِ بطن الشاعر لمعرفة المعنى خلف قصيدته أو بيته، صح؟ لكن بالتأكيد هناك مغزى مهم من حكاية هذه القصة.
على كل حال، صدّقني واسمع مني الآن، لا تركض بحثًا عن إجابات، ولا تشغل عقلك بالتفكير في الاحتمالات، كل محاولة للتفكير هي التفاتة للوراء، والحياة أقصر من أن تُضيعها بالالتفات للخلف.
“بُصّ في ورقتك” سمعتها قبل يومين من مقطع على اليوتيوب وأحببتُ استخدامه للعبارة، وبدأت أصرخ بالعبارة وأرددها وأنا أقود السيارة: بُصّي في ورقتك يا أسمى! بُصّي فيها كويّس! ومن يومها يبدو الأمام مُحفّزًا وشيّقًا أكثر، وورقتي وطريقي أنا أولى بالانشغال به من مطالعة أوراق الآخرين ومعرفة الطرق التي سلكوها.
أما عن تدوينات مايو؛ شهري الذي صرختُ به أولى صرخاتي في هذه الحياة، حتى تحوّلت بعدها إلى ضحكاتٍ مُجلجلة عُرِفتُ فيها، ووجهٍ لم يتوقف يومًا عن الابتسام بعينين لامعتين على الدوام، أحبّ أن أصِفني ابنة أوّل الصيف، ابنة أوّل شعاعٍ للشمس، تمامًا كموعد ولادتي، ابنة الصباحات والبدايات. شهِدَت تدويناتِ مايو لونًا آخر لا يُشبهني، لكن حتى نستشعر النور ونصل إليه كان لِزامًا علينا عبور النفق.
يقول محمد عبدالباري في إحدى قصائده المفضّلة لديّ :
“يقولُ لي هدهدٌ قد عادَ من سبأٍ:
من لم يذقْ وحشةَ الأسفارِ لم يذقِ!
تقولُ لي آخر الآياتِ في صُحفي:
مابينَ ضوئين تحلو ظلمةُ النفق!”
قبل بضع ليالٍ كنتُ أبحثُ عن آخر تدوينةٍ ليوم الميلاد حتى وجدتُ “ألا زالَ هناكَ مُتسعٌ للحلم؟” إذ كانت هذه آخر تدوينات يوم الميلاد التي نشرتها هنا. من العجيب وما يستدعي التفكر فيه أنه رغم اختلاف وتنوّع الدروس التي تعلمتها، تقودني دائمًا نحو محصّلة واحدة وثابتة تتلخّص في الدعاء، وأثرهُ العظيم الذي لا أنساه. وبأن كل هذه الدروس ماهي إلا لغرض تربيتنا وتذكيرنا بهدفنا الأسمى في هذه الحياة، ومادام المؤمنُ فطِنًا مُتلمّسًا مُبصرًا ألطاف الله، ومُستعينًا بالله في كل خطواته، سيضحك من كل مرة لم يكن متيقنًا فيها بأنه سيكون قادرًا على التجاوز والنهوض من جديد! إذ من رحمته سبحانه العليم المُعين، يعينك على ما تكره فيما يراهُ خيرًا لك، تذكرتُ اقتباسًا قرأتهُ منذ زمن طويل: “الحمدلله الذي يُذهِبُ الحب إذا حلّ الأذى، ويُسهّل الهجر إذا ظهر الغدر، ويجعل لعباده من بعضهم عوضًا عن بعض.” ومن يومها كانت هذه العبارة من أكثر العبارات التي تحملُ في طيّاتها مواساة ورحمة من الله فلم يخلقنا للمعاناة حاشاه، لكننا حتمًا سنظل نُكابد في الدنيا ما حيينا، سنتقبّل ونتجاوز مادام القلبُ مُقبلًا على الله، زاهدًا في دنياه، صابرًا راضيًا، متيقنًا بأنّ خلف الصبر ما يدهشهُ ويُرضيه بإذنه تعالى.
وتذكر: “أكمل الحياة كناجٍ، وليس كضحية”.
أحب أن أختم هنا بأبياتٍ من القصيدة الأقرب إلى قلبي لمحمد عبدالباري إذ يقول فيها:
“قاومْ ضبابَ الروحِ فيكَ
وقل له لابدّ عني الآن أن تتقشّعا
قشّر تجاعيدَ النهار ليزدهي وجهًا
وحكَّ الليلَ حتى يلمعا
وأزلْ حدودكَ عن حدودك
كن هوىً في ممكنٍ للمستحيلِ تطلّعا”