”الله عوّدكَ الجميل، فقِس على ما قد مضى“

هل تذكر ذلك الصوت الذي كان معك منذ البداية؟ 

الصوت الذي لم يتركك ولو للحظة طوال الطريق؟

الصوت الذي يذكّرك في كل خطوة بأنه موجود ويطلب منك الالتفات له والإعتراف بوجوده، نعم ذلك الصوت، هو ما أعنيه تمامًا.

لا أعني بأن يقودك الصوت وتصبح رهن إشارته وتصنع قراراتك بناءً عليه، ما أعنيه ألّا تتجاهله، وتبدأ في كل خطوة بقياس صحّته إما أن تنفيه أو تثبته.

هذه رسالة لي قبل أن تكون لك، وإن وجب التنويه فعليّ القول بأنها الصراحة التي كنت تخشاها، لكنها أيضًا هي الصراحة التي يجب أن يتقدّم أحدنا بشجاعة لقولها والاعتراف بها.

أعرف بأنك حزين أو غاضب، ربما لعدم اكتمال الأمر الذي شعرت في لحظة بالرغبة به، وربما تشعر بالحنَق والضيق كطفل رفضَ أهله طلبه بالذهاب مع أصحابه لمدينة الملاهي مثلًا، لكنك لم تبيّن أو تظهر لهم استياءك ولا غضبك، بطريقةٍ ما ولأمرٍ ما تجهله بدوتَ أكثر الهادئين هدوءًا، وأكثر الراضين تسليمًا واستسلامًا، لا أعرف أهيَ اللا مبالاة التي طالما قلت بأنها فيك، أم أنه الإنكار، أم ببساطة رضىً وانقياد وإيمان بخيرية الأقدار؟ وربما كل ذلك معًا، وهذا ما يبدو.

ليس تهوينًا من الأمر أو تقليلًا من شأنه لكنك أنت أنت، مهما اعترضتَ وندبتَ وبكيتَ دون أن تُرى أو يشعر بك أحد، تبدو في غاية الهدوء وفي غاية الرضا، وفي غاية الصبر، ما يجعلك تظهر كالقوي المتماسك رغم كل الظروف، أو على الأقل هذا ما يُقال عنك.

“‏تبدو قويًا لا تهاب وعندما

‏ترنو إليك عيون طفلٍ تهزمك

‏يا صارخًا في داخلي يحتلّني

‏أحتارُ، كيف -وأنتَ صوتي- أكتمك

‏أحتارُ في: هل لم تزل مستنفرًا

‏تغلي بآلام الحياةِ جهنّمك؟

أم هل تركتَ الأرض تغرقُ نفسَها

‏وظننتَ أنَّ جبال صمتك تعصمك؟

‏يَا أيُّها الباكِي عَلَيكَ.. مَتاهَةٌ

‏حَمَلَتْ وَرِيدَكَ أنْ يُغَادِرَهُ دَمُكْ!”

—-

مخيفٌ كيف يتبدّل الناس، كيف لمنعطف طريقٍ قد يغيّر المشهد بأكمله، هل كانت أقنعةً يا تُرى؟ أم أنها تلك طبيعتهم التي لم يستطع القلب أن يراها على حقيقتها؟!

ربما كانوا على حقّ؛ أولئك الذين حذرونا منهم منذ البداية! ربما كانت قلوبنا ساذجة للحدّ الذي تنطلي عليها أقوالهم وما بدا لها -بزعمهم- أنها أفعال. 

أفكّر كم من التجارب نحتاج حتى نتعلم الدرس جيّدًا، كم من الصفعات نحتاج حتى نستيقظ، وكم من العمر نحتاج حتى نكبر ونعي بشكلٍ جيّد ما يحدث لنا. 

—-

قرأتُ اليوم عبارة تقول:

“ستقابل صورك القديمة، ملابسك القديمة وكلامك القديم فابتسم لهم وقدم التحية للشخص الذي كنت عليه، هو لم يكن ساذجًا بل كان صادقًا بقدر خبرته البسيطة، لا تتعالى عليه اليوم؛ فما أنت سوى هو.. مضافًا إليه بعض التجارب.”

لم أستطع تجاوزها، وقفتُ مليًّا أفكر فيها، وأفكر كم نقسو على أنفسنا حين نلومنا على سذاجتنا، ونسأل: تُرى، هل سنتعلم هذه المرة؟ بعد كل هذا العمر وبعد كل هذه السنين، تظنّ بأنك كبرت وفهمت وعرفت، لكن لا، مادمنا في هذه الحياة فنحنُ سنُطحَنُ فيها ونُعجَن ونُخبَز حتى ننضج تمامًا. 

تظنّ بأنك وعيتَ أخيرًا، لكن لا، ربما قد يساعدك النضج في التقبل والتعايش، في التجاوز والمضيّ قدمًا كلما تعثرت وسقطت، وتألمت.

لطالما أحببتُ تذكير نفسي “الله عوّدك الجميل فقِس على ما قد مضى”.

والحقيقة الحقيقة، قد مررنا بالأصعب والأقسى وتجاوزنا الأمرّ والأشدّ من ذلك بكثيرٍ من الصدمات والخيبات، وصلنا إلى حافّة اليأس ثم انتشلنا الله، وأعادنا إليه.

من المصادفات العديدة هذه الأيام هي كثرة الرسائل التي أجدها أمامي في كل منصة من منصات التواصل الاجتماعي، وكأنها بمثابة مواساة لقلبي، تربّت عليه وتسلّيه وهذا من ألطاف الله الخفية الحمدلله.

“هناك شيء من الطُّهر النفسي يعتريك بعد أن تمرّ بتجربة حزن، الشعور بالألم أحيانًا يفضي إلى نقاوة روحيّة، فبعض الأحزان تُهذِّب النّفس وتزيل غشاوة الروح، يُصبح الإنسان معها أرهَف حِسًّا وأذكى قلبًا..”

في هذه الأيام، تعلمت وكأنها المرة الأولى التي أشعر بها على هذا النحو من التعاطف والحنيّة، على تلك التي لطالما كنتُ قاسية عليها، ولطالما توعدُتها ونفذتُ فيها حكم الجلدِ ليلًا ونهارًا، إذ كانت الليالي هي الأصعب، فلا ينتهي اليوم إلا بعد محاسبة طويلة وثقيلة جدًا، ووعود أعرفُ جيّدًا عدم قدرتها على الإيفاءِ بها.

تعلمتُ كيف أحنو عليها كما أحنو على الآخرين، واخترتُها بعدما كنتُ أختارُ الآخرين، ونظرتُ في عيني هذه المرة عوضًا عن عيون الآخرين، وقلت بعد تنهيدة طويلة: لا بأس، يالقلب الشجاع .. لا بأس.

“بكرا تزين ويقتفي عسرها لين

وما للرّخا لذّه بدون الشدايد”

أضف تعليق