
أجلس هذا المساء أمام أمواج البحر الهادئة، علّها تُسكِنُ تلاطم تلك الأصوات المزدحمة في رأسي، أشاهدها وهي قادمة نحوي بهدوء، إلى رمال الشاطئ الممتلئةِ بالقناديل والأصداف، وأتخيّل رحلتها الطويلة التي قطعتها حتى تصل إلى هنا، يحضرني بيت بخيت الذي يقول:
“لقاء وصولها للشطّ
تدفعُ عمرها الموجة”
أفكر في تجاربنا الحياتية القصيرة، تلك التي لم نكَد نتذوّق جزءًا منها حتى انتهت بسرعة، لكأنها وُئِدَت في رحم الحياة، وكأنها جنينٌ أُجهِضَ قسرًا ولم يزل بعدُ ميتًا لم تلفِظهُ الحياة خارجها، شعورٌ ما بالداخل يقول: ليسَ بعد، وليسَ الآن.
أجهلُ مصدر هذا الصوت، كما أنه يبدو عصيًا على التصديق! كيف باستطاعتنا التفكير للحظة في فكرة أن يعودَ النبضُ إليه مجدّدًا!
أواصلُ تجاهل هذا الصوت الغريب وأفكّر بكيفية النجاة، هل قلتُ النجاة؟!
هل قررتُ النجاة الآن؟! كيف دبّت الحياة في جسد لمجرّد أن قرّر فتح نافذةٍ في أقصى القلب ولو للحظات فقط من أجل أن تستعيد الروحُ بعضَ عافيتها!
تصبح الحياة مُغرية أكثر حين نسمح للأمل في التوغّل فينا، تصبح قابلة لأن تُعاش و يُحتفى بها.
الأمل هذا الذي لا يُدرَكُ كنهه ولا مصدرهُ، الأمل المخدّر والمسكّن الذي نتناولهُ كل يوم بُغية تحمّل الحياة والاصطبارِ عليها. تخيّل أن تستيقظ يومًا لتجدهُ مسلوبًا منك عنوةً، كيف ستكمل باقي أيامك؟!
—
باغتتني اليوم رغبة مُلحّة بأن أرمي هاتفي المحمول وأتخلص منه وأعود للهاتف الصغير الذي يستقبلُ المكالمات والرسائل النصية القصيرة فقط، وأعود كذلك لرسائل البريد الطويلة. أذكرُ في فترةٍ ما كانت لديّ صديقة تعرّفتُ عليها في إحدى اللقاءات وأصبحنا نتراسل بالبريد بعد أن انتقلت لمدينةٍ أخرى، كنا نسكبُ كل مافي خواطرنا برسالة طويلة، نتفقدُ أحوال بعضنا كلما افتقد البريدُ رسائلنا، أهرعُ لقراءة رسالتها بقلبي، وكانت ساعة القراءة والرد هي الأحبّ إليّ من بين ساعات اليوم كله، فكرة المراسلة بالنسبة لي فكرة شاعرية وحميمية جدًا قد تكون سلوى ومداواة للروح في مراحلها الانتقالية.
—-
نعود لنسأل سؤالنا الأزليّ:
كيف نعود لنقطة البداية؟
فأتذكرُ قولًا قيل لي: “ليس كل شيء قابل للعودة إلى الوراء …. إذا خرجت الرصاصة لا تعود أبدًا”
لكني أحاول العودة، كيف السبيل إلى ذلك؟ وهل أودّ ذلك حقًا؟ كيف نعود بعد أن استسلم العقل هنا؟
يُجيبُ قلبي بعد أن خارت قواه واستُنزِفت:
بكثيرٍ من الإيمان، بكثيرٍ من الصبر، وببعض الأمل الذي لا نعلم مصدره غير أنّي متيقّنة تمامًا تمامًا بأني لا حول لي ولا قوة إلا بالذي أودَع بي هذه القدرة، هذه القدرة على أن أنهض كمحاربٍ اعتاد هذه المعارك، اعتاد على أن لا يأخذ كل ما يتمنى، واعتاد على الصبر، وإني أرى في المنع نعمة، إذ في كل محنةٍ منحة الحمدلله.
يعلّمني المنع معنى العودة إليه، معنى أن أشدّ الرحال إليه وحده سبحانه، أن أتخفّف من الخلق وأحوّل بوصلتي للخالق المدبّر.
أشعر بأنّ الله يحبني لا حين يمنحني فقط، إنما حين يمنع عني ما يرى في المنع خيرًا لي بحكمته وعلمه وتقديره، ربما ليس في الأمر شرّ، إنما في توقيته الآن، قد تكون الحكمة في تأخيره، لا أعلم، قد تكون الحكمة في تغيّر الظروف المحيطة كذلك، أسباب وأسباب كثيرة قد لا يدركها عقلنا القاصر مهما اجتهدنا في التفكير والتدبير، يبقى تدبيره سبحانه وهو المصرّف والمعطي هو مافيه خير لنا دائمًا.
لم يكن الحق هذه المرة مع المنطق ولا مع العقل أبدًا، كان الحق ولازال في تسليمنا الأمر للمدبّر الجبّار سبحانه.
هي رحلة أخرى جديدة، نخوضُ بها غمار النفس ونتعرّف عليها من جديد، إذ لا رحلة تشبه الأخرى، ولا تجربة تشبه الأخرى.
نحنُ لا نشبهنا أصلًا! مُحالٌ أن تعود لنفسك السابقة ومن الغباء أن تتمنى ذلك!
—-
لعلّي أختم هنا الآن بهذا المقطع لروضة الحاج إذ شعرتُ بمناسبته لهذه المرحلة:
“ويُعجِبُني فيكِ
أنَّكِ
سيِّدةُ الدهشةِ المُطلَقة!
وأنَّكِ قادرةُ القلبِ
إذ كلَّما
أوثَقتْ خطوَكِ الحادثاتُ
تألّقتِ أبعدَ ممَّا يرونَ
عدوتِ عدوتِ
بأقدامِكِ المُوثَقة!
وأنَّكِ نقَّيتِ قاموسَ عزمكِ
من كلِّ (لن أستطيعَ)
و(كيفَ سيُمكنُني)
وانبريتِ
تحيكينَ بالصبرِ ثوبَ الثِقة!
وأنَّكِ رغمَ الجروحِ
ورغمَ القروحِ
التي وشَمَتْ كلَّ شبرٍ بروحِكِ
ما زلتِ تبتكرين المزيدَ
من الطُرقِ العذبةِ المونِقة!
وها أنتِ
رغمَ افتقارِك
تقتسمينَ مع العابرينَ
الحكاياتِ والشعرَ
والأملَ المُرتَجى
وتسيرينَ صوبَ صباحاتِك المُشرِقة!
ويُعجبُني فيكِ
هذا البهاءُ
وهذا الصفاءُ
وهذا النقاءُ
وأعجبُ
كيف تُرى فاضَ من هذه الروحِ
وهي اليتيمةُ
والمستهامةُ
والمُرهَقة!”