”كانت بقَدْرِ عواطِفي، أوجاعِي“

يبدو الموت أفضل خيارات الهروب على الإطلاق، لا خشيةً من المواجهة، إنما من أسرع الخيارات وأسهلها تقريبًا.

ليس يأسًا، لكن الضجيج أعلى مما أحتمل -الآن-.

حسنًا، لم أشأ أن أحذف هذا النص بالأعلى، إذ قررت أن أفتح الملاحظات لدي بهاتفي وبدأتُ بكتابة هذين السطرين، لا أعلم لمَ بات هذا الهاجس يتردّد بداخلي كثيرًا هذه الأيام، وبطريقةٍ ما أشعرُ بأني لستُ آسفة جدًا على هذه الحياة.

عيني تُحدّقُ في الظلام المتّسع أمامي من نافذة السيارة، وهي تعبر طريق العودة بسرعة، أُغمِضُها مع كل ومضة ضوءٍ من سيارةٍ أخرى تسيرُ مسرعةً كذلك. طريق السفر هذه المرة مزدحم جدًا، ولا أعلم لمَ تبدو السيارات وكأنها في سباق، نحو ماذا؟ ولماذا أصلًا؟

رغم أني وددتُ الوصول أيضًا بسرعة لأختلي مع صوتي الذي بدأ يصرخ وينغّص عليّ هدوئي.

أهربُ من رأسي إلى أصواتهم الأخرى، أحاول أن أركّز معهم في الحديث، أتشاغل بهم.. لكني كلما حاولت، يبدأ صوتي الداخلي بالإلحاح والإزعاج أكثر وأكثر، لم أعلم أهرب لمن وممّن!

بدأ عقلي بتصوّر أشكال أخرى للهروب لا أودّ ذكرها، فضلًا عن التمعّنِ في جدواها أصلًا! بل ومشروعيّتها.

لم أكن يومًا شخصًا جبانًا، بل كنتُ دومًا من المتأهّبين للمواجهة، أنظر لها كنوع من جلسات الصراحة والإفصاح، وكوني ممّن يفضّل التعبير على الكتمان، لذا فالمواجهة تمثلني غالبًا، وهي فعل لا أهرب منه أبدًا، بل أدعو إليه و أحبّذه في معظم الأوقات.

لكن الحياة علمتنا أيضًا أنّ في بعض المواجهات خسرانٌ مبين، ومضيعةٌ للوقت والجهد، وربما قد تُكلّفك خسارة الآخرين فماذا لو كانوا من المُقرّبين!

بعض المواجهات تعودُ منها مُحمّلًا ببعض الانكسارات وشيءٍ من الخذلان الذي يصعب عليك إخفاءه مهما حاولت، لذا كان الأجدرُ من البداية أن تمتنع عن مواجهتهم حتى لا تطالك ألسنتهم أو نظراتهم، أو ظنونهم وخوفهم عليك.. منك! بل وأذاهم بقصدٍ أم بدون قصد.

—-

سأحكي الليلة قصة قصيرة سمعتها من إحداهنّ، تقول:

في حياةٍ أخرى، كنتُ شجرة فُلٍ عملاقة، أُغطّي مدخل البيت بأكمله، يراني الغادي والرائح، ولا يكادُ أحدهم أن يمرّ بجانبي حتى طالتهُ رائحتي وتطيّب بي، تُقطفُ أزهاري وتُهدى صباحًا لمن يُحبّ ويهوى، كنت أشعرُ حينها بأنّ لي دورًا سماويًا يبعثُ في روحي معنًى أسمى وأرقّ، أن أكون أنا الهدية، تخيّل! 

وحتى يحين موعد قطف أزهاري، كان يُسعى لي بالرعاية والسقيا، بالكثير من الحبّ والحنان حتى أُثمِر وأمنح حبّي له ولمن أحَبّ.

كانت أيامًا طويلة وثقيلة جدًا، إذ توقف المطر، وتوقف الريّ .. كنتُ حبلى بالورد الذي لم يكتمل نموّه بعد، شعرتُ حينها كيف يتمّ وأدُ أزهاري وهنّ بعدُ لم يتفتحنْ!

“ذوَتْ أزهارُ روحي وهي يابسةٌ

ماتت أغاني الهوى، ماتت حكاياتي”

فكرتُ ربما رحلَ عني الربيع، ربما أعودُ لأُثمر في الربيع القادم، هكذا ظننت وهكذا أُمنّي النفسَ لعلها تصمد أمام حرّ هذا الصيف. 

لكني أعلم جيّدًا بأني ابنةُ الصيف، أُزهرُ في مطلعه، وتورِقُ أغصاني وتطلّ على الحياةِ بياضُ أزهاري.

لازلتُ أرقُب في الغدِ القادمِ شيئًا من أمل فلم أعتَد على الظلام دون بصيص ضوءٍ ألمحه يُعيد لي قدرتي على أن أُزهِر من جديد.

لم أعتَد على القتامة، ولم أعرف قبلُ يومًا كيف تُحجبُ الشمسُ عنّي! 

يُجيبني تميم فيقول: 

“أنا عالمٌ بالحزنِ منذُ طفولتي

رفيقي، فما أُخطيهِ حين أُقابله”

وحين قال إبراهيم نصر الله مقولته التي حفظتها في روايته الشهيرة (زمن الخيول البيضاء):

“كثرة الأحزان يا عمي جعلت الناس مفاجيع أفراح!” 

رغم كل خذلانٍ مررتُ به، كانت الشمس تسير معي، لم أعرف أكنتُ شجرة فل رقيقة أم زهرة دوّار شمسٍ مشرقة! لطالما حملتُ في داخلي رقّة الفل وإشراق زهرة دوّار الشمس العظيمة! 

اعتدتُ رغم ذلك كله ألّا أنظر للحياة بكل تلك الرتابة المميتة، لم تكن يومًا مملّة في عيني، ولم أرها يومًا بأي لونٍ عدا اللون البرتقالي تارةً أو الأبيض تارةً أخرى؛ هذا البياض الذي ينتظرني لأرسم و أخطّ فيه كل الآمال والبدايات، وفي معظم الأحيان الأخرى كانت الحياة تطلّ علي بلونها الوردي الذي لا يراهُ -غالبًا- سواي، أو ربما هكذا لوّنتها كما أحبّ أن أراها عليه.

كنتُ ولازلتُ ابنة الصباح البارّة، أنتظر شروق الشمس كما لو أنتظرُ حبيبًا سيطلّ عليّ بعد لحظة، أبتهج بدون سبب وأنا أستيقظُ صباحًا، أشعر في كل صباح بمعنى أن يهبَك الله يومًا جديدًا وفرصةً جديدة.

رغم تكالب كل الأمور التي تنغّص علينا الحياة بطبيعة الحال إلا أني لا أستطيع سوى الابتسام في وجهها، تنطفئ عيناي مهما قاومت من غير حولٍ منّي ولا قوة، ويبهتُ البريقُ فيهما أيضًا مهما أظهرتُ خلاف ذلك، يُسعفني ارتسامُ ابتسامةٍ تذكّرني بالمعارك التي تحتدمُ في داخلي، تلك المعارك التي لا تعلم لليأس طريقًا ولا ترتضي غير السلام لها حلًا مهما كلّفني الأمر، ولله الحمد والمنّة. 

لكننا نتقلّب في أحوالنا، وهذه أيامُ انطفاءٍ ليس أكثر.

“أتيهُ على الدنيا وأُدركُ أوْبتي 

‏حتمٌ -لنفسي- من مِراسِ ضياعي

‏أيهيمُ في الدنيا الدهيمةِ من لهُ 

‏قلبٌ كقلبي في الحِجا وشعاعي؟ 

‏حسبي من السلوى الوفاءُ وأنني

‏كانت بقَدْرِ عواطِفي، أوجاعِي.”

أضف تعليق