”خفيفًا كدمعة، وكافيًا كزادٍ لسفرٍ طويل“

مساء الخير، مساء الخميس أخيرًا!

ملاحظة: هذه تدوينة ربما تحملُ لونًا قاتمًا بعض الشيء لكنها أذانٌ بالعودة للكتابة بإذنه تعالى. هنا نصٌ قررتُ نشره فقط من أجل البداية ومن أجل ألّا يمضي أول مايو دون محاولة مني للكتابة. ومادُمتُ قد كتبت فقد نجحتُ في قضاء بعض الوقت مع نفسي وإن كنت جاهدتُ حتى أنفردَ بها لساعة أو ساعتين.

يستوقفني مشهدٌ متكرّر أراه في نشرة الأخبار أو في الأفلام، حيث يتم نقل الجسد الذي على وشك أن يفارق الحياة أو فارقها، في محاولات إنعاشه، وهل فكر أحدهم إن كان راغبًا في العودة للحياة أم في مغادرتها. أجدني أفكّر في موتي رغم أنه لا يُشغلني أمر الموت كثيرًا -أو ربما قليلًا بعض الشيء-، ولكن تلك المشاهد تُحفّز فيّ هذا التفكير، ليس خشيةً منه إذ كلنا سيلقى يومه لا محالة. بيدَ أني في الحقيقة أفكّر بشكلٍ جادٍ جدًا بمن المحظوظُ فينا هنا؟ أهذا الذي تم نقلُ نعشه أم الذي لا يزالُ واقفًا بقربه؟ أم أنا التي تنظرُ إلى ذلك الجسد المُلقى كخرقةٍ بالية، وقد سمَت روحه وعَلَت ورحلت لمن هو أرحمُ بهِ منّا جميعًا فوجدتني أردّد بيني وبين نفسي: لعلّه هو المحظوظ حقًا.

تستوقفني هذه المشاهد وأسأل: هل الدنيا تستحق كل هذا الركض؟ هل الدنيا تستحق كل تلك الأمنيات والرغبات التي نسعى لها؟ غير مبالين وربما كذلك غير ساعين لما نحتاجه فعلًا في أيامنا الأخيرة هنا في هذه الفانية؟ نحنُ نقترب إلى يومنا مع كل يوم وكل شهرٍ وعام.هذا العام يتوافق شهر تاريخ ميلادي الهجري ذو القعدة مع شهري الميلادي مايو، وهذا يعني بأني سأكبر عامًا في كلٍ من التاريخين معًا في نفس الوقت إذ سيفصلُ بينهما يومانِ فقط، وبين هذين اليومين عامٌ كامل!

على كل حال، أفكر الآن بالشيء الذي أتمناه في هذه اللحظة؟ وما الذي أودّ أن أحقّقه قبل بلوغي عامي القادم هذا؟ أفكر بالذي أحتاجه لا بالذي أريده، ولو سألتُ نفسي ماهي أمنيتي الأخيرة قبل رحيلي من هذا العالم؟ ربما ستكون إجابتي هي أن أهدأ، أن يهدأ قلبي، ويهدأ عقلي، أن أسمع الضجيج وهو يتضاءل ويصغر حتى يختفي تمامًا. أن تختفي وسائل التواصل الاجتماعي وأن نعود للتواصل بالرسائل والبريد، أن يستطيع كل واحدٍ منا أن يعبّر بصدق عمّا يريد لمن يريد قبل أن تفارق أرواحنا أجسادنا، أن نسمع أصواتنا ونلتقي أكثر، أن لا نفكر كلنا بما قد يقوله الآخرون عن اختياراتنا ما دامت تُرضي رب العباد. وأن أضع رأسي أخيرًا على تلك الكتف التي لن أخشى يومًا إن كنتُ أثقلتها فنحنُ نتبادل الأدوار يوميًا ونحملُ أعباء بعضنا معًا حتى نفارق هذه الأرض. وأن أقول: أخيرًا يا درويش لن أحمل عبء قلبي وحدي كما كنت تقول.

كتبتُ منذُ بضعة أسابيع حين قرأتُ عبارة “الحياة قصيرة”، وهي عبارة أردّدها دائمًا وكثيرًا جدًا، وهي مقياس كذلك يساعدني أحيانًا حين أوشك على أن أهمّ بأمرٍ ما احترت أو ترددت به.

بدأ زهدي بالحياة يزيد ويتضاعف بشدة منذ أن بدأت أحداث غزة، لا أستطيع أن أفكر بالمستقبل، ولا أملك خططًا طويلة المدى وبعيدة، أمتلك مُنىً ورغبات أحملها بين أضلعي أُسلّي بها نفسي وأردّدها بيقينٍ بيني وبين ربي، هي آخر ما أراها قبيل نومي وأول ما أرى حال استيقاظي صباحًا. لا أخاف الموت، بقدر ما أخاف الحساب، أدعو الله بحسن الخاتمة في كل صلاة.

لا أستطيع أن آخذ الحياة بجدّية، أفكر كيف أحيا هذا اليوم بأقل الخسائر وبالكثير من الرضا والابتسامات التي لا يعرف وجهي سواها. وجهي وعينايَ لغةٌ يسهلُ لأيّ أمّيٍّ أن يقرأها، ولا أودّ أن أكون تلك الصعبة والعصيّة على الفهم، ولا أفهم كيف لأحدهم أن يصِفني بالغامضة! ربما لأنّ تساؤلاتٍ شتّى قد تتبادر إليهم إذ كيف لي هذه القدرة على التجاوز والمضيّ قُدُمًا في كل مرة، كيف لي أن أستقبل الحياة وأُقبِل عليها كما لو أنها لم تُعطِني ظهرها ألف مرّة ومرّة، كيف لي أن أرى كل الأبواب وقد سُدّت من أمامي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي، لكنّ إيمانًا راسخًا بربي يخبرني دائمًا بأنّ ما من عبدٍ سيموت إلا وقد استوفى رزقه لقوله صلى الله عليه وسلم: (أيُّها النَّاسُ اتَّقوا الله وأجملوا في الطَّلبِ فإنَّ نفسًا لن تموتَ حتَّى تستوفيَ رزقَها وإن أبطأَ عنْها فاتَّقوا الله وأجملوا في الطَّلبِ خذوا ما حلَّ ودعوا ما حَرُمَ).

قرأت اليوم تدوينة لعبدالله الوهيبي الحنين إلى العدم الأول وفيها لخّص نقاطًا عدّة ساعدتني لأفهم بعضًا من حالة التناقض التي أشعر بها، إذ ذكر في نهاية المقالة:

“ومن المحتمل أن التحيز للتفاؤل يتعزز عبر التكيّف والاعتياد على التعاسات والآلام والمؤذيات، وينعكس في نزوع الناس إلى مقارنة أنفسهم بمن هم أسوأ حالًا، وكل هذه الظواهر متعاونة تفسّر -ولو جزئيًا- الميل الشائع للنفور من حقائق الحياة المفزعة، المتمثلة في بؤس الوجود ورثاثة العيش، ولذلك لا يمكن للرأي السائد أن يدحض هذه الحقائق المرّة، لأنه أسير لهذه المؤثرات المنتشرة.”

وفي الختام: تبقى أجلّ الأمنيات وأعظمها أن نغادر الحياة بخفّة ويُسر بعد أن نذوق حلوها كما عرفنا مُرّها، أن نغترف من الضحكات التي يخبئها الله لنا أضعاف ما ذرفت مآقينا من الدموع وأن تسكن الروح بعد اغتراب، وأن يبقى أثرنا عظيمًا في النفوس، وألّا نُنسى.

أضف تعليق