
كتبت رضوى في كتابها (أثقل من رضوى) : “منذ طفولتي وأنا أُوصف بالمطيورة. في المرحلة الإبتدائية كانت هذه الملحوظة تتكرر في الشهادة الشهرية، مضافًا إليها في الغالب أنني ثرثارة. أنسى أشيائي في المدرسة. أصطدم بهذا الشيء أو ذاك: باب، حائط، شجرة، عمود نور أو حفرة في الطريق أتعثّر فيها. وفي يوم سقطت هكذا فجأة وأنا أقف في فناء المدرسة مع زميلاتي. صِحْنَ: إيه اللي حصل؟ بهدوء أجبت: اتكَعْبِلْت. اتْكَعْبِلْتِ ف إيه؟ اتكعبلت في نفسي. انقلب الفزع إلى صخب وقهقهة، وذهبت العبارة والواقعة.”
لطالما أحببت رضوى وأحببتها أكثر في كتابها هذا، وجدتني مكتوبة، قرأتُ كبريائي، عنادي، عفويّتي، ثرثرتي، روحي الطفلة وقلبي الذي لا يشيخ، وجميع التناقضات التي نحملها معًا، رضوى التي تشاركني يوم الميلاد ذاته، رضوى التي أحببتُ مريد فقط لأنها تحبه، وقرأتُ قصائده فقط لأنها تركت كتابة الشعر حين استمعت لمريد وهو يلقي قصيدةً على سلالم المكتبة المركزية في جامعة القاهرة حين التقت بهِ لأوّل مرة، ثم أحببتُ تميم من حبها لابنها، كنتُ أستمعُ إلى تميم بقلب الأم، بقلب رضوى.
رضوى الطفلة التي قد تبدو لوهلة بأنها ولِدت كبيرة، بإصرارها، وعزيمتها، وشموخها، وصبرها، لكنها الطفلة التي لا تكبر، بابتسامة وجهها الهادئة والتي يصفها مريد في رسالتهِ الرقيقة إليها حين كتب: “وفي ظهيرة يوم ٢٢ يوليو، تمُّوز سنة ١٩٧٠ أصبحنا عائلة، ضحكتها صارت بيتي.” حتى في أيامها الأخيرة عندما اشتدّ عليها المرض كتب لها وقال: “عودي يا ضحكتها عودي”، نحنُ الذين نتسلّح بعد الله بالسخرية والضحك، بالابتسامة التي نرسمها حتى في أحلكِ الأوقات، لكننا رغمًا عنّا نبهت أحيانًا، وتُسرق منّا تلك الضحكة، تلك الابتسامة التي نصدّ بها كل شيء. أحببت رضوى بقوّتها وحنانها الذي يكبر ويتضاعف حتى يغدو مريد كابنٍ لها، ثم لا يلبث أن يصبح والدًا لها، هو الذي يخاف عليها من كبريائها ومكابرتها، وتميم ثمرة هذا الثنائي الذي لم ينهزم أمام البُعد وأمام كل الشقاء وسنوات الغربة التي فرّقت بينهم، وكأنّ بُعدهم يزيدهم اتصالاً وإصرارًا وعمقًا وقُربًا.
تقول رضوى عن مريد: “غريب أن أبقى محتفظة بنفس النظرة إلى شخص ما طوال ثلاثين عامًا، أن يمضي الزمن وتمر السنوات وتتبدل المشاهد وتبقى صورته كما قرّت في نفسي في لقاءاتنا الأولى.”
كتب مريد قصيدةً مطوّلة عن رضوته نُشرت على ثلاثة أجزاء ولم يلقِها يومًا كاملة سوى مرة واحدة في ذكرى ميلادها الأول بعد وفاتها، وهذا من أحبّ أجزاء القصيدة لديّ:
“أنا يا رضوتي الراعي الذي مزمارهُ القصبي لا يتعب .. أغنيكِ
عتابا، ميجانا، شعرًا أسميكِ
وحقلاً لليماماتِ الصغيرةِ
تُطلعين الزاد للأغنام والرعيانِ
هل لي أن أساويكِ
سوى بالبيت والوطن الذي تعطيهِ كي يزهو فيعطيكِ
وهل لي أن أساويكِ
سوى برنين باب السجن حين يرنّ منفتحًا على الشمسِ
وهل لي أن أساويكِ
سوى بعذابِ ليلِ النيل أو بتوجّع القدسِ ..
ألا يا ظبيةً شردت وراء البحر ..
إني طفلكِ الراعي ..
وأنتِ الأفق أمشي نحوكِ، اقتربي ..
فخرفاني الصغيرة، أسطري، شعري .. نأت عني
ولست أنا بصيادٍ لأفزع ظبيةً شردت
إني والقمر الراعي والنجمةِ نسيرُ إليكِ الليلة ..
وأنا والقمر الراعي والنجمات تعبنا و نعسنا ..
هل تأتين؟”
في ذكرى رحيلها الثامن في الثلاثين من نوفمبر، قبل بضعة أيام، كنتُ عائدة من سفرٍ لم يدم أكثر من أربعة ليالٍ فقط، لكنه كان كفيلاً ليترك أثرًا ليس بسيطًا، بل ليس هيّنًا على نفسي، لذا لا تزال المشاعر لديّ تتعارك وتختلط، حتى وجدتني البارحة أمام أبيات مريد هذه بعد ليلتين من المحاولات الكتابية التي باءت كلها بالفشل، فوجدتني أكتب عن رضوى، وأكتب عني، أكتب عن العودة إلى نفسي، مجدّدًا.
تذكرني رضوى بنفسي فأكتبني، في سفري الوداعيّ، لنسخةٍ منّي أحببتها في زمنٍ قريب، لكني اخترتُ أن أتركها هناك حين بدَت كغصنٍ يابس لا يورق ولا يُثمِر، اقتلعتهُ ورميتهُ خلفي، بدت تلك النسخة كصفحةٍ قديمة تغطيها الغبار، ولا أحد يقرؤها، أحاول جاهدةً عدم الالتفات، كل التفاتة هي وعدٌ بالعودة. أتجاهل كل صوتٍ يحثني على المحاولة أو البقاء، أتجاهل، وأمضي.
في طريق رحلتي إليّ، أعودُ مُثقلة، أحملُ عواقب اختياراتي على ظهري، أتحملها بلا ندم، وأدركُ بأنّ لها دورًا مؤثرًا على كل تلك النسخ التي أحملها بداخلي، هي نسخ مكمّلة لبعضها ومترابطة، وإن بدت -أحيانًا- متناقضة قليلًا. أعودُ لمقولة رضوى -التي اخترت وضعها في ترويسة المدونة بالأعلى- : “هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دُمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا.”
بعض النهايات لا تستحق أن نجدَ أجوبةً لأسئلتها وإن أثقلتنا وأرّقت قلوبنا، نتركها للوقت، للزمن، بل لله، وحده الله كفيلٌ بها. لن نُعاتب أو حتى نواجه، سنمضي وبكل سذاجة نضحك، نُعيد ترتيب أولويّاتنا ونُعيد اكتشاف أنفسنا من جديد.
وكما تقول رضوى: “لأن النهايات ليست نهايات، لأنها تتشابك ببدايات جديدة.”، فإننا لا نملك إلا أن نتطلّع إلى القادم، إلى المتبقّي من ساعات اليوم، ومالذي سنصنعه، ومالذي لم نقم بهِ بعد. لا نملك إلا أن ننظر بقلبٍ متوكّل، واثقٍ متيقّن، رغم كل الصعوبات التي تبدو بالبداية ثقيلة وعصيّة على التجاوز، الله معنا.
*نجمة الراعي هي آخر نجمة تختفي في الصباح وأول نجمة تظهر في السماء عند المساء، ويقال بأنها كوكب الزهرة، أكثر الكواكب لمعانًا في السماء بعد الشمس والقمر.
يقول مريد: “حين ذهبتِ، حقلٌ من عبّاد الشمس تلفّت نحوكِ وتخلّى عن وجه الشمس. يا رضوى إني والقمر والنجمات نسير إليكِ الليلة.”
قصة لطيفة ومؤثرة…نجمة الراعي هي كوكب الزهرة المعلومة صحيحة.
شكرًا لقراءتك وتعقيبك، دمت بخير
قرأتكِ وانا في طريق العودة، لم يكن الطريق أحمراً كما يصفه قوقل ماب، لقد تحول اختناق الطريق لتنفسّ هاديء
معكِ ومع رضوى ومُريد..
شكراً من الأعماق🪴
يا أهلًا وسهلًا هيفاء .. سعيدة بقراءتك، اسعدتيني، دمتِ بأفضل حال
قراءتي عن رضوى ومريد وثمرة حبهما تميم كانت بسبب حبّي لفتاة تمتلك عيون لونهما كلون القهوة كلون قهوتها المفضلة واليوم قرأت مدونتك بسبب تلك الفتاة التي أحبّت قهوتها أكثر مني، ابدعت في كتباتك عن رضوى وشكرًا
شكرًا لك!