(ربّنا أفرِغ علينا صبرًا)

عن اللاّ جدوى، عن هذا الشعور الكثيف الذي لا اسم له، لا لون له، يشبه الرمادي إلا قليلًا، ويشبه الوقوف في المنتصف إلا قليلًا، لا حياديًا ولا واضحًا، لا مُنصِفًا ولا عادلًا، لا يرى ما يجب عليه رؤيته، ولا يتغافل عن كل ما يجب عليه تغافُله.

فتحتُ المدوّنة لا رغبةً بالكتابة إنما بحثًا عن أجوبة، عنّي حين كنتُ أعرفُ الكتابة بطلاَقة، دون محاولةٍ منّي لإخفاء أكثر من نصف الحقيقة وإبداء أقلّ من ربع الحقيقة كما أكتبُ مؤخرًا، وبطريقةٍ ما، بشكلٍ ما، أدركتُ كيف للتجارب، وللناس، وهل أقولُ النضج ربما؟ لكل هذا ولكل ما لم أُدرِكهُ بعد، كيف لكل شيء يُحيطُ بنا، حتى أنفسنا نحنُ التي تكبر وتكبر كثيرًا دون وعيٍ منّا كم كبرنا حقًا إلا أنّنا نستيقظ يومًا لندرِك في لحظةٍ كهذه الآن، كم تغيّرنا! وكيف بتنا لا نعرف كيف نُفضي أو نكتب بشفافية كما اعتادت أنفسنا سابقًا، ذُهلت من نفسي كيف كانت تكتب بكل صدق كل المشاعر التي تعترك بداخلها، كيف كنت أكتب كل فكرة عابرة لا يهمّ ما إن كانت موغلة بعمق في السوداوية أم أنها مُحاطة ومُغلّفة بها كقشرة تودّ لو تقوم بكسرها والخروج منها، لا يهمّ مدى الحضيض ولا القاع الذي وصَلَت إليه ولا عن البشاعة التي تبدو عليها، كنتُ أصرخ بالشعور نفسه، عاريًا تمامًا، ودون محاولة مني لإسكاته، ولا لسترِه ولا مُداراته، أو تغطيته، كان لا يعرفُ سبيلًا للهدوء عدا أن يصرخ أولًا، يخرج كما هو، واضحًا وصريحًا، حتى يعود لعرينه هادئًا، كانت الكتابة تمثل له الغابة التي يمارس بها حق صراخه و زئيره، لم أدرِك لأيّ حدٍ كانت مشاعري تبدو مثل أسدٍ غاضب، لا يقبل المساومة على شيء، وحتمًا لا يرتضي أن يسلب أحدٌ ما هدوءه، طمأنينته، وسلامه، كانت مشاعري تمثّل هذا الأسد، بشكلٍ لا أفهمها أحيانًا وفي أحيانٍ أخرى تبدو واضحة ومقروءة بشكلٍ جيّد، يعتمد اتصالي بها أو عدمه، وفهمي وقراءتي لها -أعني مشاعري- على هدوئي واستقراري النفسي، أعلم بأنّ صمتي حين يطول، يعقبهُ هذا الصراخ، هذه المحاولة منّي للاقتراب أكثر نحوي، نحو كل ما كنت أتجاهله، وما كنتُ أؤجّلُ حتى الالتفات إليه. 

أدركتُ كم تغيرت حين عدتُ لقراءة ما كنتُ أكتب سابقًا، وكيف لم أعد أعرف كيف أصِف شكل التعاسة، شكل الحزن أو الضيق، فضلًا عن الاعتراف بهذا الحال، وكأنّ الإنسان غير مقدّرٍ لهُ الشعور بأحوالٍ كهذه بل غير مصرّحٍ أو مسموحٍ لهُ بالاعتراف بهذه المشاعر في ظل ظروفٍ معينة من المفترض أن تمنعهُ من الشعور بهذا، كأنه لا يملكُ الحقّ بأن يقول لستُ على ما يُرام، لستُ بخير، أو حتى أشعُر بالحزن .. هكذا ببساطة، بل يجدرُ بهِ التفكير مليًا قبل التفوّه بهذا، وكأنّ الأصل أن يكون بخير على الدوام!

لم أكن أنوي الكتابة، ولم أرغب بالسماح لمشاعري اليوم أن تخرج من عرينها، لازلت أجهل الطريق التي كنتُ أسلكها سابقًا حين أشرعُ بالكتابة، وكيف كنتُ على قدرٍ عالٍ من الوضوح حتى بتّ أُنكر على نفسي كيف اختارت هذه المكاشفة، وأصبحتُ أفضّل الصمت والاستماع أكثر من أن أُعبّر بحقيقة ما يجري بداخلي، و بدأتُ أشعرُ بل وأفكّر بعبثيّة أن أثرثر بكل ما يجول دون أن أسأل نفسي بماذا بعد؟ بل لماذا؟ ومن أجل ماذا؟

عن اللّا جدوى أكتب، و عن اللّا جدوى أقول: ماذا بعد؟ ماذا بعد كل هذا؟ ماذا بعد كل الحرائق التي أُضرِمت وأُخمِدت؟ ماذا عن كل الرماد الذي خلّفتهُ تلك الحرائق في روحي؟ 

ولا أدري بعد كل هذا .. كم مرّةً نهضت تلك العنقاءُ بداخلي من رمادها؟

كم مرة مرّت علينا مواسم الانطفاء وعُدنا، حاصدين منها قوةً وعزمًا أوجدهم الله فينا لمجابهة مواسم أخرى قادمة متيقّنين بخيريّة الأقدار ومسلّمين بها وراضين، وحتى تُشرق هذه الروح، كما تُشرقُ شمسٌ بعد أوّل مطرٍ في الخريف، وكما تهطُل مع أوّل بشارة غيمةٍ في السماء، وكما تسطُع كنجوم أوّل المساء، معقودةٌ روحي بالبدايات، وحتى يُحييها الذي أوجدها، (ربّنا أفرِغ علينا صبرًا).

رأي واحد حول “(ربّنا أفرِغ علينا صبرًا)

اترك رداً على شــهــد إلغاء الرد