(وعجلتُ إليكَ ربِّ لترضى)

يقول حسن أوريد “نعم تعبت. وآويتُ إلى ربي عسى أن يهدينْ.” الإيواء هنا أي أن تشملنا رعاية الله وأن يحفظنا الله ونطمئن في معيّته سبحانه ونحن لاجئون إلى الله ذاهبون إليه وطالبون منهُ الهداية والثبات بعدها، وكما قال إبراهيم عليه السلام في سورة الصافات بعد أن همّوا بإلقائهِ في النار: (وقال إني ذاهبٌ إلى ربي سيهدين)، وحين خشيَ أصحاب موسى من أن يدركهم فرعون وقومه قال موسى عليه السلام في سورة الشعراء: (قال كلا إنّ معي ربي سيهدين)، الهداية أي أن تسير في طريق عالمًا متيقنًا بأنهُ الطريق الصحيح بإذن الله.

عن الهجرة إلى الله، عن العودة إلى الله، عن البدايات، (وأما بنعمة ربك فحدّث)، هذا العام الذي منذ بدايته وأنا أشعر بلطف الله حولي، في أخذه ومنعه وعطائه، حين أكملت الثلاثين قبل شهرين تقريبًا، لم أستطِع الإتيان بأيّ نصّ يصف شعوري تجاه هذه المرحلة الانتقالية، دعوتُ في رمضان بأن ييسّر لي ربي الحجّ هذا العام، كنت بحاجة إلى التحوّل، إلى هذه الهجرة، والآن، ماذا بعد الثلاثين؟ وماذا بعد الحج؟ وماذا بعد كل هذه النهايات سوى البدايات، فلله الحمد من قبل ومن بعد. ربّ اجعلني من الغرباء ممن قيل عنهم “طوبى للغرباء”، ما أوحشَ الحياة اليوم وما أصعبها، ولكن “إني ذاهبٌ إلى ربي سيهدين” و “عجلتُ إليكَ ربِّ لترضى”.

منذ اللحظة التي وصلتني فيها رسالة القبول بالحج، كان كل شيء فيّ يركض ويخفق، ما بين مصدّق ومكذّب! كنتُ أفكر بكيفية أداء المناسك، عن مِنى التي يتشوّق إليها كل مسلم، عن الوقوف في عرفات يوم عرفة التي يصدحُ بها كل خطيبٍ ويقول “الحجّ عرفة، الحجّ عرفة” عن المبيت في مزدلفة ليلة العيد، أن تنام تحت السماء تحت بدرٍ لم يكتمل بعد، تراهُ مختبئًا خلف الغيوم، تبيتُ متجردًا من الحياة مفترشًا الأرض متلحفًا الفضاء “زاهدًا فيما سيأتي ناسيًا ما قد مضى”، إي والله زاهدًا فيما سيأتي، ناسيًا ما قد مضى! إي يا ربّ امسح كل ما مضى من قلبي، ولا تعلّقه بما سيأتي بما ليس له، واجعلهُ ربِّ راضيًا مرضيًا. 

تراءت لي مشاهد عديدة كنتُ أشاهدها في شاشة التلفاز، وكنتُ أسألُ دائمًا: تُرى ماهي أحوالهم؟ ماهي مشاعرهم؟ يأتون محمّلين مُثقلين، يعودون بإذنه بعد قبوله سبحانه وقد مسحَ على أفئدتهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، ياه! تقبّل تقبّل ياربّ. 

نغادرُ منىً متجهين إلى عرفات أفواجًا أفواجا، كل فوجٍ يقودهُ حاملٌ للراية، أو إشارة بإسم الحملة، كان التفويج إلى عرفات يشبه مشهدًا متخيّلًا من مشاهد يوم القيامة، يُفتح باب ويدخلُ فوج، وينتظرُ آخر خلفنا، نسمعُ صوت جرس اقتراب القطار إلى محطتنا، نتأهّب للصعود، بهدوء وتنظيم، كلٌ تسبقهُ روحه، أما القلوب فلا تسألني عنها، وكأنّ الزمن كل الزمن قد توقّف، لا شيء أبدًا يشبه تلك اللحظة، أبدًا.

“الحج عرفة” وكيف إن وافق يوم عرفة يوم الجمعة، حجة النبي صلى الله عليه وسلم، حجة الوداع وحجة الإسلام وهي الحجة الوحيدة التي حجها رسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام بعد الهجرة، المشاعر كانت تفوقني، وكانت أصعب من أن أصفها أو أكتب عنها. لكني أحاول ما استطعت أن أصفَ القليل منها، لعلّي بهذا أن أشعلَ رغبةً كانت مؤجلة لدى بعضكم، أن يعجّل بالحجّ كلّ راغبٍ وكل مقتدر، أن يعقد النية ويضعها وسط قلبه، وأن يجرب حلاوة هذه المشاعر التي حتمًا لم يكن يعرفها قبلًا! 

أكتبُ الآن بعد يومين من وصولنا إلى البيت، زارتني الحمّى في أول ليلة، قلتُ والله ما أشدّ وأصعب من فراق مكة! كانت أصوات الملبّين لا تزال تصدح في أذني حتى وصولنا إلى مطار جدة عائدين! كنت أتلفّت أبحث عن مصدر الصوت، لكن لم يكن هناك من ملبٍّ! لا أحد! لم تتوقف الأصوات إلا بعد وصولنا إلى مطار الدمام! استوعبت أخيرًا بأن الرحلة انتهت، انتهت بالفعل لكني متعبة كمن غادرتها روحها ولا تزالُ تهيمُ هناك، ما بين الحرم ومنى، وفي عرفات حيثُ امتدت القلوب وتعلّقت في الغيم، وحيثُ نزل ربنا سبحانه وتعالى في السماء الدنيا، هناك، لا تزال روحي هناك. يسألني أبي في آخر يومٍ ونحن ذاهبون لرمي الجمرات الثلاث: “هل تودّين القيام بالحج مجدّدًا؟ العام القادم مثلًا؟” صرخت بإي نعم نعم! ومن يرفض عرضًا كهذا! وهل أقدر؟ وهل أستطيع؟ يارب التيسير والتسخير يارب.

تعبٌ لذيذ مهما مشيت ومهما وقفت تحت الشمس وفي الزحام، تعبٌ لذيذ.

“لبيكَ ما نبض الفؤاد و ما دعىٰ

داعٍ وما دمع بعينٍ قد جرىٰ

لبّيكَ أعلِنُها بكل تذلّلٍ

لبيكَ ما امتلأتْ بها أمُّ القُرىٰ 

لبّيك يا ذا الجودِ ما قلبٌ هفَا

للعفوِ منك وبالخضوعِ تدثَّرا”

4 رأي حول “(وعجلتُ إليكَ ربِّ لترضى)

اترك رداً على أسماء عدنان إلغاء الرد