” لا تنسَ من أنتَ، أو ما وجهة السفرِ”

أحبّ كون الحياة متجدّدة دائمًا، أحبّ فيها المباغتة والمفاجأة أحبّ فكرة بأنّ الغيب مجهول وهذا من نعيم الله الذي أحمدهُ عليهِ دائمًا، مهما حمل في طيّاتِه من الشقاء الذي كُتِب علينا كلّنا بأن نعيشه، كما كُتِب علينا بأن نحيا بعده كأننا لم نذُق منهُ شيئًا، أحبّ الحياة كما هي، متغيّرة لا تهدأ، ولا يدوم فيها شيء، وأحبّ أيضًا أن أستشعر هذا كله، دون أن أنكر إن كنتُ أتألّم من تقلّباتها أو أتعب من الفقد الذي نواجههُ دومًا معها، أحبّ بأنّ الله لا يأخذ منّا شيئًا إلا وبدّلنا خيرًا منه -دائمًا-، وإني حين أفقدُ ما أفقد، أرمّم انكساري بتذكيري لنفسي بأنّ الله حبيبي عادلٌ دائمًا، وحين يأخذ مني ما أخذ وهو المتصرّف وحده بالأمر كلّه، دقّه وجلّه، سبحانه المدبّر وحده، ما أخذ إلا لحكمة، إلا وأنّ مع الأخذِ العوضُ الكثير، وأنّ هذا القلب، قلبي حينما أعلى من محبّتهم حتى بلِغ ما بلَغ لم يسقط مغشيًّا عليه وحده، بل كان الله معه، وكنتُ أقولُ لا بأس، لا بأس، حتى إذا أفاقَ من غشيتهِ أجدهُ ممدّدًا على متنِ غيمةٍ لم أشعر بارتطامه، فأدركتُ بأنّ الله لم يكن ليتركني قطّ أبدا، تذكرت هذا الاقتباس الشهير لنيكوس كازانتزاكي قلتُ لشجرة اللوز: حدثيني عن الله .. فأزهرت شجرة اللوز!” وقلبي كشجرة لوز يزهر بالله ومعه، يحيا بذكره ما حييت.


 أعرفُ ضعفي، أعرفُ كل نقطة صغيرة أحاول تهميشها بداخلي ولا أُلقي لها بالًا وأقومُ بكبرياءٍ عظيم لأُنكرها تمامًا، أنفُضها عنّي كمن ينفض الغبار ثم يعودُ من جديد، كقطّةٍ تمسّد شعرها الممتد وتلعق جراحها بنفسها ثم تدور تدور فتتكوّر حول نفسها، تنام وتنام طويلًا أنا التي أُخاصِمُ النوم وأتسلّح بأكواب القهوة ثم يهزمني النوم، يهزمني كل ليلة حتى إذا أتى الصباح أقفز من السرير معاتبةً نفسي وإيّاه كيف غلبتني البارحة كيف! لكني حين لا أقوَ على مواجهةِ الحياة، هي نفسها الحياة التي أحبّ هي نفسها ذاتها، حين لا أقوَ النظر إليها أهرب منها للنوم، فلا يهمّ إن غرقتُ في النومِ في أيّ وقت، المهم لا أريد أن أنظر لعينيّ في المرآة وكلانا – أنا وعيني نعرفُ جيدًّا ما الأمر – قد تعاهدنا بألّا نُفشي سرّ القلب، أنظرُ لطرفيّ عينيّ الناعستين ولا أذكر المرّة الأخيرة التي نظرتُ فيها لعيني بهذا الشكل، لكأنها تمتدّ بامتداد عمري إذ أكبر فتختفي حماستهما المتّقدة كعيني طفلٍ مفتوحتين على اتّساعهما لكنهما الآن تبدوان أهدأ، أهدأ بكثير مما عهدتهما، أخبر قلبي بأن يهدأ، وبأننا جميعًا يجب أن نكون سندًا لبعض، لا خيانة مقبولة من الآخر، وبأنّ معارك العمرِ قد ولّت، وبأننا نحنُ الكِبار الآن يجب أن نهدأ أخيرًا- مهما تقلّبت هذه الحياة – وأنّ الحياة لوحدها معركة كبيرة سخيفة يجب ألّا تؤخذ بمحمل الجدّ دائمًا، وبأننا يجب أن ننتبه لها مهما كان، وألّا نغفل عنها أيضًا مهما كان، وأن نتذكّر دائمًا أن الحياة هي اليوم، هي هذه الساعة التي تقضيها الآن، وأنّ الحياة كلها هي سعيك فيها لا وصولك، وأنّ رحلتك لن تنتهي فيها، ولن تصل أبدًا لنقطة النهاية حتى تفارقها، ومن أجل اليوم وكل يوم حين تنهض من سريرك نحو الحياة، لا تنسَ أن تعيش.

*“في رِحلة العُمر والأيام مسرعةٌ لا تنسَ من أنت، أو ما وجهة السفرِ” – زين

رأي واحد حول “” لا تنسَ من أنتَ، أو ما وجهة السفرِ”

اترك رداً على سُ إلغاء الرد