عن أوّل النور، أخيرًا

قبل عدة أيام، وأنا على سجادة الصلاة، كنت للتوّ قد انتهيت من صلاة المغرب، لا أعرف كيف تنزّلت سكينة عجيبة على قلبي مسحَت عليه، والله وكأني أسمعه يقول “أنا موجود أنا موجود لمَ الهلع؟ أنا موجود لمَ كل هذا القلق؟ أنا موجود لا مجال لليأس!” حينها فعلًا شعرت بأن الله قريب وقريب جدًا، لم أتمالك نفسي فبكيت من رهبة الشعور نفسه، قلت في نفسي “أدري بأنّ همسي وحديثي الذي بداخلي كله يسمعه الآن!” وهو فعلًا كذلك سبحانه ما ألطفه وأرحمه حبيبي، تلمّست عنايته لي وقربه لي حين استبشرتُ خيرًا بكل ما يحدث الآن معي، وإن كان ظاهره التعب والألم الذي بدأ يتفاقم يومًا بعد يوم، كنت قد وصلت لمرحلة يصعب علي وصفها، في كل مره أكتب عن شعوري، أرى بأنّ الكتابة حتى الكتابة وهذه الحروف عجزت عن وصف دقّة الشعور ومدى تأثيره على حياتي، لم يكن لي بدّ إلا اللجوء له سبحانه وما خاب من أتاه الخبير والبصير وحده، استجمعت قوّتي بمعيّته، علمتُ بأني هذه المرة وهذه المرة فقط سأصبح أقوى لأني لجأت إليه واتّكلتُ عليه وحده، بدا كل شيء واضحًا، تمامًا كما ينقشع الضباب فتصبح الرؤية أكثر وضوحًا كما لو أنّ الشمس للتوّ سطعت في عينيك وأضاء كل شيء بعد عتمة دامت سنين!

أن تصل لمرحلة الإدراك ولو متأخّرًا أفضل من ألّا تصل أبدًا، وأن تستوعب ما يحصل معك وتفكر بعقلك بعيدًا عن أيّ عاطفة تغلبك، بعيدًا عن أيّ مخاوف مجهولة مستقبلية غير مضمونة وغير مؤكدة، أن تتّكل على القويّ العزيز الجبّار الذي سينتشلك ممّا أنتَ فيه ويجبر ما أصاب روحك وقلبك من انكسارات وخدوش ستظلّ تلعقها لمدة لا بأس بها حتى تُشفى تمامًا، لا بأس .. لا بأس، كل ما مررت به لم يضع هباءً، كان لحكمة أنت تجهلها، لكنها ستتّضح لك لاحقًا، لا تتجاهل الرسائل التي يبعثها الله لك، الأشخاص الذين تقابلهم ويضعهم أمامك، حتى النصّ الذي شعرتَ بالرغبة في كتابته، الشعور الذي كان يشتعل في صدرك ونشرته وصرّحت به، وإن كان على هيئة ألم أو صرخة، كان من أجل أن يرسل الله أحدهم إليك، ليقودك إلى نهاية النفق، إلى النور أخيرًا.

كنتُ أدعو الله كثيرًا من أجل هذا الإدراك، هذه النعمة العظيمة، المؤمن الفطِن هو من ينتبه لكل ما يحدث حوله ويستشعر الحكمة منها ومن حدوثها ونسأل الله أن يرزقنا هذه المنزلة وهذه الفطنة والحكمة لاتّخاذ كل قرار فيه خير وصلاح لنا يارب.

الثلاثاء، ١٨ أغسطس ٢٠٢٠، الساعة الثانية عشر ظهرًا، اضطررت لأخذ ساعة من وقتي بالعمل لأكتب ما شعرت بالرغبة بكتابته في هذه اللحظة وفي هذه الساعة. الكتابة عندي وليدة اللحظة في معظم الأوقات، وإن حانت ساعتها لا أستطيع فعل أيّ شيء حتى أنتهي منها، وإن أتت في ميعاد غير ملائم فغالبًا ما تُنسى مهما حاولت تلخيص كومة المشاعر هذه في ملاحظات الجوال لديّ على شكل مفردات أو عبارات قصيرة لحين العودة إليها لاحقًا، غالبًا لا تعود لي نفس المشاعر ولا نفس الرغبة، ولا نفس الاسترسال الذي يصاحبني بالعادة في كل مرة تأتيني هذه الحاجة الملحّة للكتابة بهذا الشكل.

رأي واحد حول “عن أوّل النور، أخيرًا

اترك رداً على هاجر السديري إلغاء الرد