عن الكتابة، و عن الندم أحيانًا

51a85a0e0d9a995bd2a6cf3802677294.jpg

لماذا نكتب؟

لماذا نحتاج الكتابة؟

هل نحن بحاجة لمن يستمع لنا أو يقرؤنا؟ هل نكتب لمجرّد البوح؟ لمجرّد التخفّف؟ لمجرّد أن نزيح هذه الفوضى التي بداخلنا؟ وماذا بعد؟

بعضنا يكتب ويحتفظ بما يكتبه لنفسه وبين دفاتره ومسودّاته، والبعض ينشر ما يكتب، مالذي يختلف إن علا صوتُ أفكارنا؟ وهل الكتابة في كلتا الحالتين تُشعرنا بنفس الشعور؟ وهل يشعر ممّن ينشر ما كتبه بأنه فتح نافذةً عليه؟ يشعر كما لو أنّ روحه تتعرّى أمامهم؟

هل كل من يكتب، يفتقد لمن يستمع إليه في الحقيقة؟ أم أننا حين نتحدّث بألستنا نفتقد هذا الحسّ بالتعبير؟ نشعر كما لو أننا لا نعرف كيف نحكي، وكيف نصيغُ الكلمات ونطوّعها، وكيف تخرج مقاربة لما نشعر به على الأقل، لأننا بالحقيقة مهما بلغت درجة البوح لدينا، مهما تعمّقنا داخل أرواحنا وأخرجنا ما بها، لن نصل أبدًا لذاك الحدّ في التعبير الذي يُرضينا تمامًا، والذي يخبر بالضبط ما نريد قوله وإيصاله، مهما بلغنا من الكتابة ومهما كانت سطوتنا على الحروف قويّة صدّقوني لن نستطيع، ذاك لأنّنا قد نخجل منّا ربّما، لأن بعض الاعترافات لو بحنا بها لكان من الصعب أن نحيا بهذا الشكل ونحن نكذب هذه الكذبات الكبيرة على أنفسنا.

اليوم في تويتر استوقفني هذا الاقتباس لسيوران:

“يُفترض أن لا نؤلّف الكتب إلا لنقول فيها ما لا نجرؤ على البوح به لأحد” وكان هذا ردًّا على إحدى تساؤلاتي التي كنت أفكّر بها منذُ مدّة، لمَ نكتب؟ لا أعني كتابة الروايات والمقالات الصحفية بالطبع، لمَ لا نكون صادقين مع جوارحنا ومع أنفسنا عامًةً، لم لا نكون بذاك القدر من الشفافية لنكتب بشكلٍ يشبهنا على الأقل، أن نكتب ما نخشى منه، أن نكتب مخاوفنا وأحلامنا الحقيقية التي نخجل من الحديث عنها، لمَ يصعب علينا أن نكون بهذا الصدق؟!

– خارج النص – : كنت ولازلت أحب قراءة أفكار الآخرين، أحب كل ماهو مختلف عنّي، أحب أن أفهم رؤيتهم ونظرتهم تجاه الأشياء أو الناس، خاصةً أولئك الصادقين، الذين بات العثور عليهم من أصعب الأمور التي أواجهها في حياتي حقيقةً! الذين لا يشبهون سوى أنفسهم، لا يتملّكهم زيفٌ ولا ادّعاءات، أولئك الذين ترى جمال أرواحهم من أعينهم، تجد في حديثهم الراحة، وفي صحبتهم الهناء وفي استماعهم لك الطمأنينة، كأن هؤلاء أطيافٌ تتراءى لي في منامي ولا أجد لهم شبيهًا في الحقيقة.

هل كلّ من يستمع إليك يستمع أو يُنصت لك فعلًا؟ ما فائدة الاستماع إن لم يكن يفهمك، إن كان يحتفظ بالحكم المسبق تجاهك قبل أن تتحدّث أو تصيغ حديثك أو حتى تبريراتك؟

اليوم خضتُ نقاشًا طويلًا مع أمي، كانت ولازالت قريبة منّي للحدّ الذي ترى نفسها فيني وتخشى أن تعترف بذلك، وحين يخبرها الآخرون بأني أتحوّل لأكون هي، تصرخ بهم بعدم تشابهنا ولا أدري حتى هذا اليوم لمَ تعترض على ذلك، لكنّي ومنذ فترة طويلة كان لديّ هذا القلق بأني لم أكن أبدًا لائقة بها، مهما حاولت أن أتغيّر، تظل صورة معلّقة في رأسها عنّي لا أدري كيف تكوّنت ومتى بالضبط، لازلتُ لم أخرج من إطار تلك الصورة في نظرها، لكنّي أتفهّم الآن، بعد مرور كل تلك السنوات، أتفهّم أفكارها نحوي، ومن جهة أخرى أعلم بأني أستحقّ هذا.

كان لديّ الكثير من الأفكار التي وددتُ الكتابة عنها، ربما يبدو لكم حديثي فوضويًّا ومتشعّبًا، لكن على أيّ حال، سأكتب ما لديّ الآن، علّني أصِل لنتيجة وحيدة على الأقل من أجل أن أرتب هذه الفوضى قليلًا.

منذُ اليوم الذي نصبح فيه أمّهات، نحاول جاهدين تعليم أطفالنا وتربيتهم ليصبحوا نسخة أفضل منّا، نخشى عليهم أن يرتكبوا أخطاءنا، نريدهم أن يكونوا النسخة المحسّنة منّا، النسخة التي لا تخطئ، النسخة المثالية، ناسين بأنهم بشر مثلنا، لهم تجاربهم أيضًا في هذه الحياة، لهم أخطاؤهم ولهم مواقفهم الخاصة التي ستعلّمهم أكثر ممّا سنعلمهم نحن.

نخشى أن يتضرّروا، أن يواجهوا صفعات الحياة كما واجهناها نحنُ، نقول بأنهم لن يستطيعوا تحمّلها، بأنهم لا يقدروا على تصدّيها، نخافُ عليهم حين تخدشهم الحياة، نخشى حتى من هذه الخدوش البسيطة، نركضُ نحوهم حين يسقطون لأوّل مرّة أثناء تعلّمهم ركوب الدرّاجة، ونبكي حين يتعرّضون لأوّل جرحٍ تمّت خياطته في غرفة الطوارئ، نرى هذا الألم أكبر وأشدّ عليهم منّا، نحن الذين تعرّضنا لذات الجرح ولدينا ذات الغُرز في رأسنا أو أقدامنا وأيادينا في نفس العمر الذي أُصيبوا به، مهما تمضي السنين ونراهم يكبرون أمامنا، لازالوا هم هم كما في اليوم الذي أنجبناهم فيه لهذه الحياة.

أرى هذا الخوف الآن في عينيّ أمّي، أراهُ وهي تنقل لي تجاربها في أوّل سنوات الزواج، في تربيتها لنا، في أدنى الخلافات التي كانت تمرّ فيها، أرى نفسي الصغيرة في عينها، أراني الآن وقد أصبحتُ أمًّا واجتزت الخامسة والعشرين من العمر أصغرُ أكثر بعينيها التي بكت حين خضتُ أوّل ولادة قيصرية وأنا أُنجب ابنتي، أراها وهي تقول “أعرف أسومة ما تتحمّل لما تتعب بس، شلون العملية!”

أرى خوفها من أن أتعب كما تعبت وهي تحاول تقبّل ذاك الواقع الجديد، أرى خوفها هذا جيّدًا لكن ليس كما تراني هي، ليس كما تظن بأنها ترى ما بداخلي، أرى محاولاتها معي لكي أصمد أكثر، لكي أجعل هذه الحياة تستمرّ، لكنها يا أمي أصعب من أيّ شيء مررت به، أصعب مهما حاولتِ التقليل من شأن بعض الأمور، مهما جعلتها تبدو أصغر وأسهل في عيني، صدّقيني لا تزال صعبة، أخشى أن أخبرك بأني استسلمت لها منذ فترة الآن، أدعها تسير دون مقاومة، أخشى على طاقتي أن تنفد، كنتُ قد أخبرتكِ قبلًا بأنّ لا طاقة لي أكثر، لكنكِ كنتِ تعدّين حديثي هذا من المبالغات، وأنا يئستُ المحاولة ولم يعُد باستطاعتي الآن أن أغيّر ولو فكرة واحدة اتّخذتيها عنّي!

لهذا كنتُ أسأل .. هل كل من يستمعُ إليك، يستمع إليك حقًا؟ ما فائدة الحديث إن لم نجد تلك الطمأنينة بأنك قد وجدت ضالّتك أخيرًا؟ ما فائدة الحديث إن كان يتبعهُ ندم ولا شيء سواه؟ هل هناك ماهو أسوأ من الندم؟ ليس على خطأ أو ذنبٍ اقترفته، بل على أمرٍ لم تشأ بوحه؟ على شعورٍ لم ترغب أن تُبديه؟ وماذا عن الرغبة في ألّا تشعر بشيء؟

5 رأي حول “عن الكتابة، و عن الندم أحيانًا

  1. قراءة مقالك تشعرني بأنني لست وحدي في هذه المشاعر ..
    وأن لكل منا فوضاه الداخلية التي يحاول ترتيبها بالكلمات ..
    شكرًا لمشاركتك هذا العمق ..
    وجعلتِنا نفكر أكثر ونقدر قيمة التعبير الصادق .. 🌷

    1. يا أهلًا علياء، فعلًا هذا الهدف من مشاركتي لهذه التدوينات، لاستنطاق ماهو عصيّ على النطق به، ما أحاول وما يحاولُ الآخرون التعبير عنه، وحتى لا يشعر أيٌ منّا بغُربة الشعور.

اترك رداً على هاجر السديري إلغاء الرد