لا جدوى ..

a3221a2c30d25746734ea2866fd32b8d

ماذا أفعل إذا كان كل ما أكتبه لا جدوى منه، ماذا أفعل إن كان صوتي ليس عاليًا كما يجب؟ أو على الأقل ليس عاليًا كي تسمعني جيّداً، أو حتى لتحاول أن تخفِض رأسك نحوي لتسمعني بوضوح. بالحقيقة، لطالما أخبروني بأنّ صوتي منخفض، وأتحدّث بسرعة، كما لو أني أتحدّث مع نفسي ولنفسي، لطالما اعتدتُ أن أكرّر طلبي مرّتين أو ثلاث حينما أتحدث مع البائع فينتهي بالأخير أن يُقرّب أذنه ناحيتي كي يسمعني، رغم تكرار هذه المشكلة لم أقم بحلّها برفع صوتي من الأساس بالبداية تفاديًا لذلك وإنما استمرّ الموّال على ذلك، مؤخراً بدأ صوتي يعلو حين أتحدّث مع ابنتي ولو بمكانٍ عام، أو يُخيّل لي بأنّ صوتي أصبح عاليًا نظرًا لنظرات الناس التي أراها مصوّبةً باتّجاهنا.

لم آتِ اليوم للحديث عن صوتي، لكن عن هذه الكلمات التي تتركها خلفك،حين تشعر بتهميش ما تفعله، عن استصغار إمكانيّاتك، عن هذه الحياة التي ستتركها بعدك، عن كل ماهو بحوزتك الآن، إن كان لا جدوى منه فإلى متى، وماذا ستفعل؟ عن إعادة التفكير في كل شيء بدأ يأخد طريقه للفناء وهو بأيدينا وأمام أعيننا دون أيّ محاولة لإنعاشه، عن هذا العمر الذي سيُهدرُ هكذا هباءً.

لا يهمّ، أصبحتُ أكرّرها كثيرًا لا يهمّ، حقيقةً لا يهمّ! ليس لأنّنا معرّضون للفقد، ولا لأنّنا فقدنا أشيائنا وانتهينا، لكن لا يهمّ لأن الصعوبة تكمن في التعايش بعد ذلك، كم يحتاج الإنسان الطبيعي حتى يتكيّف ويتعايش، متناسيًا بعضه، متناسيًا حلمه، ومستبدلاً سعادته بأشياء زائفة وزائلة ووقتية، كيف لهُ أن يتعايش؟

أقول لكم حقيقةً وأنا أكتب ما كتبتهُ بالأعلى، تتراءى لي بعضُ المشاهد ما يهوّن عليّ وقع ما لديّ، وهذا لا يحدثُ إلا وقت الكتابة، سأحكي لكم الآن: حين تكرّسين نفسك لشخصٍ ما، يحدث أن يكون جزءًا منكِ، بالأصل هي جزءٌ منكِ، كانت منكِ، خرجت منكِ أنتِ، تحمل بعضكِ حتى لو كان عقلك أو ضحكتك، ترينها تركض حولكِ، قطعةٌ منكِ خارج جسدك، تجلسين معها بحيث تشعرين كما لو أنّ هالةً ما أو دائرة تحويكما أنتما الاثنتان وكأنّ لا أحد ينظر نحوكما، تنسين إن كنتِ تضحكين بصوتٍ عالٍ فجأة من أجل كلمةٍ تفاجأتِ بسماعها منها، أو حين تغنّين وتدندنين أغنيةً ما تحفظانها معًا، وحين تبتسم عيناكِ يوم ترينها مبتهجةً أمامك، تنسين المكان، والأشخاص، ويتوقفُ الحديث عن كل شيء عدا الحكاية التي تحكيها تلك الصغيرة عمّا رأتهُ هناك وهي تلعب مع باقي الأطفال في إحدى جمعات الأهل المزدحمة، حين تركض نحوكِ في كل نصف ساعة أو ربع ساعة لتحتضنكِ وأنتِ في منتصف حديثكِ مع الآخرين، أو لتخبركِ من جديد للمرّة العشرين في هذا اليوم بأنها تحبّك، أو حتى لتحكي لكِ ما استجدّ معها في هذه اللحظة، أو أنّ طفلةً وقعت، وطفلًا ضرب الأصغر منه، أو أنّ ذاك الصغير كان يتشبّث بها وهي تقفز “بالنطيطة” وكيف لتلك الصغيرة أن تضع “مناكير” أو طلاء أظافر أعجبها وهي مغتاظة منها لأنها تتباهى بهِ أمامها، كيف لكل تلك القصص أن تحكيها لك ساعة حدوثها، تسمعينهم يهمسون عنها بأنها لا تدعُ والدتها ولا ترغب إلّا بها فتلتمع عينيكِ سعادةً وتبتسمين.

منذ مدّة وأنتِ تعانين .. كيف تُزيحين ثقل هذه الأيّام، كيف تدعين الزمن يمضي بكلّ ما فيه، كيف لهذه السنوات المتبقية من عمرك أن تمضي، تمضي فقط، بيد أنّكِ نسيتِ ما منحهُ اللهُ لكِ، منذُ ثلاث سنوات، حين أعطاكِ هذه الصغيرة، التي تناديها والدتكِ “نعمة الله” وهي كذلك بالفعل، كيف نسيتِ أثمن ما بيدِك؟

كطوق النجاة كانت، ذاك الطوق الذي يتشبثُ بهِ من يرغبُ بالحياة، جاهلاً مصيره، جاهلاً على أيّ شاطئٍ سيأخذهُ الطوقُ إليه، وكيف سيحيا بعد ذلك، يحيا مجدّدًا .. لا أن يعيش.

رأيان حول “لا جدوى ..

  1. كيف “لا جدوي” والمقال كله جدوي ، جدوي أن تحيا ، جدوي ان تعيش ، جدوي ان تتنفس ، جدوي أن تحب ، جدوي ان تكون قوياً ،
    اذا لم تكفيكِ هذة ، لتكوني انتِ لنفسكِ الجدوي ، اذا لم تكفيكِ اصبري من أجل جدوي لا تعلميها حتي الآن ، كُتبت وستتحقق من أجلك من أجل أن تسعدي
    “لا يهم” هل حقا لا يهم ان تنسي ؟ اذا كان النسيان يمنعك من التعايش المستقبلي فلتبقي معلق بالذكري متعايش مع بعضها تؤلمك أحيانا وتُنقذك أحيانا أخري
    “تدعين الزمن يمضي” هل يعيش الألم علي بقايا الأمل أم يعطي الأمل قُبلة الحياة للألم ليُشفي ، اذا لم يتغير الألم ليناسبنا لنصبح نحن قبلة الحياة التي تعطيه الأمل، لنصبح نحن مصدر الأمل لأنفسنا أولا ، الهروب من الفرحة الزائفة لن يزيدك ضررا ، ولكن سيقتل شعور الفرحة لديك ، الفرحة قصيرة الأمد فلا تضيعها في التفكير في حقيقتها

    1. الأمل؟
      سبحان الله، لو نكتب ونتحدث عن الأمل طوال حياتنا لا أظن سيكفينا، كل شيء يسير في هذه الحياة ويستمرّ ببقاء الأمل من عدمه، هو ذاك الصديق العدوّ، الأكذوبة والنجاة، هو كل المتناقضات التي نعيشها في الحياة، فهو تارةً يكون لنا كطوق النجاة، يذكّرنا بالله، بعدم اليأس، بعدم القنوط، بعدم استمرارية الحال، وبأن كل شيء لابدّ حتمًا أن يتغيّر ويتبدّل، لا مُحال! وهو تارةً أخرى، يكون كالواحة التي يراها التائه المُتعب في الصحراء، هو ما يخدعنا لأن نصبر أكثر دون فائدة، بالعكس قد يأخذ منّا حياتنا، يستغلّ وجودنا دون أن نصل إلى شيء، ونبقى نحنُ مذبذبين بين ذاك وذاك، إلا أني والله ما وجدت عند حسن الظن بالله شيء يعادله، وحده الله سبحانه لا يخيّب الرجاء، لا يخيّب الظن أبدا. والحمدلله على عطاءه ومنعه، الحمدلله.

اترك رداً على أسماء عدنان إلغاء الرد