عن الحياة،

e87b24898fc1b6932e75638194788824

اليوم كنت أتحدّث مع زميلة لي في العمل وأتذمّر عن بعض الأمور فصرختُ أخيراً في وجهها: “من كثر ما الواحد يبلّع يبلّع تجيه الغصّة والله”.

أن تدع بعض المشاكل أو الاختلافات التي تحصل بشكل شبه يومي تعبُر هكذا دون أن تُعيرها اهتماماً، أن تحاول أن تراها أصغر ممّا هي عليه، أن تدعها تبدو وكأنها لا شيء، لا يُعدّ حلّاً صدّقني!

مُتعبٌ أن تستمرّ بالعيش بهذه الطريقة، وإن أدرتَ للمشكلة بالاً، قد تصبح أكبر مما هي عليه، قد تدمّر حياتك وقد تُنهيك فقط لأنّ عقلك يُعاندك ويبالغ في وجود هذه المشكلة، لكن نفسك تتعب من هذه الحرب التي تدور يوميّاً في رأسك، بين عقلك، وبين نفسك، لا تدري أيّ الخيارين تختار، وحينها تقع في المشكلة الأكبر، تغضب من نفسك، وعليك، وتدور حولك دون أن تجد حلّاً، يُصيبك الصداع لأيّام، تحمل المسكّنات في حقيبتك أينما ذهبت، تُكثر من شرب القهوة، تبحث عن مقاطع مضحكة، تضحك تضحك كثيراً حتى تدمع عيناك ثم تحزن على نفسك، وماذا بعد؟

مواجهة المشاكل ومحاولة حلّها في وقتها كانت طريقتي منذُ أن عرفتني، لا أحبّ أن أراها تتكوّم أمامي وأنا صامتة، في أيّام الثانوية والجامعة لطالما اعتمدتها ولا زلتُ على ذلك، أما الآن فقد جرّبت كثيراً، وحاولتُ مراراً لكنها لم تعُد تُجدي، لذا لا أظنّ بأنها صالحة في جميع الأوقات ومع جميع الناس، وهذا ما تعلّمته مؤخّراً.

في الفترة الأخيرة، بتّ أعتمد تجاهل كل شيء يُضايقني، أحاول أن أجعله يمرّ بأيّ شكلٍ كان، بأيّ طريقةٍ كانت، بأيّ صوت، بأيّ لونٍ وأيّ نكهة، فليمرّ .. المهمّ أن يمرّ فقط. فقدتُ صبري ولم يعد لي طاقة لأُجادل طويلاً. أحاولُ أن أُكذّب عيناي، أقولُ لنفسي ربما يتراءى لي فقط، وربّما كنتُ أتوهّم ذلك .. وربما أيضاً لم يحدث هذا كله وربما كان كل ذلك حلماً أو كابوساً ولا شيء منه حقيقي، وهكذا تمضي الأيّام، يزعجني أمرٌ ما، أقومُ بدهسِه، يتكسّر شيءٌ ما، بل أشياء، لا أقومُ برفع ما تناثر، لا أقوم بجمعه، لا أقوم برفعه، لا أزيحهُ جانباً، بل أطأهُ وكأنهُ لا يعنيني، تتجرّح قدماي .. أنزفُ قليلاً .. كثيراً، لا يهمّ فعلاً، لكنني عبرتهُ وانتهيت، هل تجاوزتُه؟ لا أدري!

تؤرّقني فكرة أنّ هناك عيناً تُلاحقني، تسألني باستمرار عن كل ما أفعله، ولماذا فعلته، وماذا سأفعلُ بعدها، تقيّدني فكرة أن صوتي ليس حُرّاً بما يكفي، وقلمي لم يعُد يملك بعض الحريّة التي اعتادها، لا أعرف كيف لأيّ أحدٍ يُمارس الكتابة يشعر بما أشعر به الآن ويستطيع أن يكتب كما اعتاد أو حتى يستطيع أن يُزاول الكتابة من جديد، كتبت منذ فترة شيئاً شبيهاً بهذا ولم أستطع نشره، ومنذُ ذلك اليوم وكل ما أكتبه لا أشعر بهِ كما يجب، كما لو أني أكذب، ولا أحبّ كوني أكذب بهذا الشكل .. لذا لا أظن بأني سأكون راضية عن نفسي حتى أنشرها يوماً ما، ربما.

عن الحياة التي تتعقّد بمجرّد أن نكبر فيها، بمجرّد أن نضع جذورنا فيها وتتشبّث أقدامنا فيها حتى لو لم نكن راغبين، أو راضين بمدى تشبّثنا بها، لو أنّ لكل مرحلة نجتازها فيها كتاباً أو منشوراً نقرؤهُ، نحفظهُ كما لو كنّا في المدرسة، نتعلّم دون أيّ ثمنٍ تأخذهُ منّا؟ كل الدروس بعد أن كبرنا لم تعُد بالمجّان، ولم يعُد ثمنُها بسيطاً كأن تسقُط على ركبتيك مثلاً وتُدمي قليلاً فتأتي أمّك بضمادة جروح وانتهى، لتتعلّم بعدها بأنهُ لا يجدُر بك أن تركض على أرض مبلولة مثلاً، و لا أن تقفز على الدرج وتتخطى الدرجتين أو الثلاث، كل ذلك نتعلمّه بثمن بسيط لا يغدو أن يكون جرحاً ربما تكون نسيته ويذكّرك فيه أحدهم بعد أن تكبر.

عن الحياة التي يكون درسها أصعب وثمنهُ أغلى على الأشخاص العاقلين – من يُقال لهم دائماً: أنتم العاقلون، أنتم الأكبر، الأذكى، الأكثر فهماً -، الحريصين، من يفكرون بكل شيء وعن كل شيء وعن مستقبلٍ لا يعلمون هل هو من نصيبهم أم لا، عن الأشخاص الذين يُرهقون عقولهم بإصلاح البشر، بإصلاح كل ما تراهُ أعينهم فاسداً أو معطوباً وكأنهم مُكلّفين بهذا كلّه، عن الأشخاص الذين يشعرون بمسؤولية كل شيء حولهم، عن الباحثين عن المثالية والكمال في حياتهم، عن الدقيقين جدّاً والمنظمّين كما لو كان اليوم عبارة عن دفتر وقلم ومسطرة، أعطوا كل شيء حقّه ولا تحملوا أنفسكم حِملاً فوق استطاعتكم أو أكبر منكم، قولوا لمشاكلكم ربي أكبر، والله أكبر من هذا كله، مواساة ربّانية أواسي بها نفسي كل يوم، وكل زمن يمضي من عمري في هذه الحياة.

كونوا بخير.

 

 

رأي واحد حول “عن الحياة،

  1. بخصوص أننا نتجاهل مشاكلنا اليومية الروتينية المتراكمه اذكر انني كتبت “الكبت يولد الجمود” تجاهلها يؤلمنا بقدر أكبر كل يوم دون ان نشعر اننا بدأنا فقدان الإحساس بالأبسط!!!

اترك رداً على malathalshamri إلغاء الرد