في حياةٍ سابقة، كنتُ أنا .. غيري

tumblr_oon2g1fRJ61vkng0go1_500.jpg

” – يا صديقي:
نعم ماذا هناك؟
– أنا حقا اريد العوده يا صديقي !
إلى أين؟!
– إلى ذلك الوقت الذي كان فيه جدول الضرب أسوء شيءٍ في العالم.”

بالحقيقة ما كان جدول الضرب أسوأ شي بالعالم، مثل التحضير لكلام أو نقاش أمام الملأ، ما دام أنه لن يُقرأ من ورق، هذا ما كان يوتّرني دائماً، أن أنسى لوهلة ماذا كنت أقول وماذا سأقول وهل ابتعدت عن النقطة الأساسية أم نسيت الحديث عنها بإيضاح أكثر. لم تكن الرهبة مُخيفة حين أقف أمام جمع كبير وأقرأ من ورقة تهتزّ بيدي مثل رهبتي وأنا أقف أمام عرضٍ ألتفت إليه كل لحظة وأكمل حديثي. لم يكن وقت السؤال مُخيفاً أيضاً بقدر الوقت الذي أقف فيه أتحدّث دون ورقةٍ تفضحُ توتّري.

لطالما كنتُ من طالبات الإذاعة المدرسية، لكنني كنتُ أستعينُ بورقة أقرأ منها، أتنقّل من سطرٍ إلى سطر ومن فقرة إلى فقرة، أُغيّر من صوتي وأُلحّنه حسب صوت الكلمة والعبارة. كنتُ أفرحُ كثيراً حين تستقبلني أستاذة جوهرة في الصباح في نفس يوم الإذاعة حين آتي مُبكّرةً جداً على غير العادة، تركضُ نحوي “جابك الله أسماء، هاه جاهزة؟” أُحدّقُ فيها دون أن أفهم ماذا تعني لكني بعدها اعتدتُ الأمر وأحزنُ حين لا تقوم باختياري في بعض الأيّام، كانت تقول “بعد شوي فيه إذاعة وأبيك تطلعين تقولين المقدّمة، معاك فلانة وفلانة وفلانة، طيّب؟” أنظر إليها كمن أهداني شيئاً وابتسامة عريضة ترتسم على وجهي “إي أكيد أستاذة، إن شاء الله” وأركض بحقيبتي نحو غرفة الإذاعة، لم أتجاوز وقتها الحادية عشر عاماً، بدأت أوّل مرة وأنا بالسادسة أُغنّي “Twinkle twinkle little star ..”

وأنا بالثامنة حفظتُ أنا وصديقتي أنشودة “هذا البلبل كل صباحِ يعلن عن بدء الأفراح ..” وأوصتني أستاذة شيخة أن أحمل قفصاً صغيراً بهِ عصفورٌ صغير وكأنهُ هذا البلبل الذي نغنّي أنشودته ومن المفترض أن أرفعهُ عالياً حين نبدأ بالإشارة إليه “هذا البلبل .. “ أذكر حين صعودنا إلى الفصل جاءت إليّ وهي مُستاءة “ليه ما رفعتي القفص يا أسماء؟ حسافة بس ماسكته، كان لازم ترفعينه كلما وصلتي لهذا المقطع!” حزنتُ يومها لأني لم أؤدي ما طلبته منّي كما أرادت، وأصبحت إلى هذا اليوم كلما لمحتها – في أيّ زيارة أقوم بها للمدرسة حين اصطحابي لأخواتي الصغار وقتها – أذكر استياءها منّي رغم أنني أعرف بمحبّتها لي وربما هذا ما أساءني أكثر.

في التاسعة، تلوتُ لأوّل مرة القرآن في الإذاعة، لم أكن أجيد التلحين أو التلاوة بصوت جميل بقدر إجادتي ربما للتجويد وقتها وأظن لهذا أستاذة فوزية اختارتني، كنتُ أحبّ النشيد وأحفظ اللحن سريعاً وأُجيدُه، لم يكن صوتي جميلاً لكن ليس سيئاً إلى تلك الدرجة أيضاً. لم أحبّذ إنشادي أو تلاوتي للقرآن لأنني كنت أعلم بأن هناك من هم أهلاً لذلك أكثر مني بكثير ولم أعلم إلى هذا اليوم لمَ أُختِرتُ يومها وتلوتُ وأنشدت.

في الابتدائية، حفظت المدرسة وجهي وأصبحتُ طالبة بالإذاعة واستمرّيت حتى تخرّجي من الثانوية، دخلتُ الجامعة فأنستني تماماً من أنا، ومن كنتُ طيلة اثنا عشرَ عاماً، في الجامعة نكونُ أُناساً آخرين، قد نُهدم، قد نُبنى من جديد، وقد نُصقل ونُصبح نسخة أفضل مننا.

بالنسبة لي، لم تكن المرحلة الجامعية أيّاً من ذلك، لكنني أستطيع القول بأني أصبحتُ غيري ربما، لا أعرف كيف أُصيغ ذلك بالضبط، لكنني كنت مختلفة، هُدمت أشياء جميلة كثيرة وبُنيت أشياء مختلفة تماماً، ربما كان أسوأ ما تغيّر هو أنني لم أعُد تلك الطالبة الجريئة ذات الدرجات العالية والتي قد تقترب من المثالية أحياناً بنظر المعلّمات. ربما تخصّصي لم يكن هو التخصّص الحلم، لم يكن فعلاً ما أردت ولم أتكيّف معه لكن بعد هذه السنين ولله الحمد نجوتُ من الجامعة وسأُتمّ السنتين من تخرّجي.

اليوم وبعد أن أتممتُ مشروع تخرّجي قبل سنتين وحين وقفتُ لمناقشته مع زميلاتي، بعد كل تلك التجارب وكل تلك المشاريع التي تمّ عرضها لم أتغلّب بعد على الرهبة والتوتّر المصاحبين لي حين أقف أمام غرفة لا يزيدُ المتواجدون فيها عن عشرين مثلاً!

رغم ذلك، لا أنكر من أنني اكتسبتُ الكثير من المهارات أو لنقل الاهتمامات التي لم أُفكّر فيها من قبل، وأخرى نمت عندي بشكلٍ ملحوظ وأخرى أدمنتها وعُرفتُ بها، لم تكن الجامعة هي السبب بل الفُرص التي حصلت في تلك الأعوام، الجامعة كانت معرضاً أعرضُ فيه ما يستهويني فعلاً بعيداً عن مجال الدراسة وهكذا استطعتُ أن أمضي أيام الجامعة والدراسة بجزء من الرضا الحمدلله.

لا أدري لمَ كل هذا الحديث جاء الآن؟ ربما هذه الصورة بالأعلى مع العبارة المُرفقة معها حين رأيتها في تمبلر هي ما أعادتني إلى كل تلك الذكريات، أو ربما مشاركتي في لقاء اليوم في المبادرة التي كنتُ أهربُ منها لمجرّد وقوفي لمدة دقائق قليلة جداً أتحدّث فيها عن شيء أو تجربة بسيطة هي ما وتّرتني اليوم وما جعلتني أكتب وأسترجع كل هذا.

قد يسألني البعض لمَ أنشُر هذا؟ هذه الذكريات التي أتت فجأة ولم أعرف ماذا أفعلُ بها؟ أُقلّبها؟ أحفظها؟ أنا التي حفظتُ تفاصيلها وبأيّ عامٍ وأيّ صباحٍ كانت، حفظتُ وجوههم وتعابيرهم المستاءة التي لازلتُ أراها أمامي، نظراتهم وأياديهم التي تُربّتُ على ظهري مشجّعة معجبة، وماذا بعد؟ أحفظها وبعد؟ ما فائدة ما أكتب حين يُحفظ من جديد؟ وهو المحفوظُ المرسومُ في الذاكرة رسماً؟

لم أتعلّم أن أكتب وأحتفظ بما أكتب لوحدي فقط، غير تجربة كتابة اليوميّات التي جرّبتها قبل سنين ولم تُفلح. الكتابة إذا لم تخرج للعلن لن تتحسّن ولن يُقوّم اعوجاجُها أو تتطوّر، صحيح أنّي لا أكتب للآخرين، أكتب لأتحرّر بما يحصارني بداخلي، برأسي وبقلبي، أكتب لي وحدي، وربما لبعض المُقرّبين، من يجد فيني بعضه وأجدُ فيه المُستمِع القارئ القريب النّاقد.

تبقّى الآن السؤال الذي سألهُ الصديق، هل حقاً أريد العودة إلى ما كان أكثر شيءٍ يُخيفني وهو الوقوف أمام الناس من أن أواجه ما أُواجهُه الآن في حياتي؟

لأكون صريحة جداً لا أبداً! لا أريدُ العودة لأيّ شيء، أُريد أن أمضي بعيداً. بعد كل تلك الذكريات والمواقف لا أستطيع القول بأني أرغب بعيشها من جديد، لا أريد أن أعيش ما عايشته من حزن أو فرح، واثقة بإذن ربي بأني سأواجه فرحاً قد يكون أكبر وأعمق مما عشته كما أنني حتماً سأرى الحُزن أيضاً – لا مفرّ – لكنني سأكون أكبر، ولن يُحمّلني ربي فوق استطاعتي، حتى الحزن سأتغلّب عليه بإذن الله.

أستقبلُ رسائلكم، تعليقاتكم، ونصائحكم بصدرٍ رحب، لأكون أفضل:

http://ladyasma92.sarahah.com/

ليلة أحد سعيدة جميعاً، وبداية أسبوع موفّقة، دمتُم بخير دائماً.

رأيان حول “في حياةٍ سابقة، كنتُ أنا .. غيري

  1. السلام عليكم ورحمة الله و بركاته

    لا أعلم كيف أبدأ حديثيٰ ، و إذا بدأت كيف سأُتمه ؟
    أولاً / قرأتُ كلماتك بعناية و كأني انظر الى نفسي و انا اقرأ ، كيف و انا لم اتخرج بعد و لم أكن تلك الفتاه التي تخرج في الإذاعات الصباحية !

    رأيتُ نفسي في سطوركِ من ناحية الخوف و الرهبه من الوقوف امام كم من الناس ، أشرح لهم موضوع اليوم ،
    الى الان لم افعلها سوا مره واحده و لم أُبلي جيدا

    و لكن ماذا عساي ان افعل ؟

    كلامك جعلني أفكر في نفسي ووضعي الحالي و بما انا به الان ، جعلني ارغب في تحسين نفسي و آكون اكثر ثقة و شجاعة لا اعلم لما ..

    اريد ان اتحلى ب شجاعتك و أقف امام الناس رغم رهبتك لكن لا اعلم كيف ..

    أطيب تمنياتي ،
    R

    1. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلًا بالصديقة
      ممتنة لإطرائك .. وفخورة بك، الأبطال دائمًا يتطلّعون نحو الأفضل، ويسعون جاهدين لذلك .. يحاسبون أنفسهم باستمرار لرؤية ما ينقصهم وماهم قادرين على صنعه بإذن الله إن تحلّوا بالشجاعة والعزيمة الكافية .. صدقيني يكفي بأنكِ تملكين الرغبة، حاولي كثيرًا، واسعي حتى تحصلي على ما تريدين .. وفقك الله وحماك وسدّد خطاكِ دائمًا

      شكرًا لوجودك ومرورك هنا :)

اترك رداً على أسماء عدنان إلغاء الرد