ذكرى بيضاء

41b5572c28a211043a6c1bf64aae19e4

أشعر بها الآن، لم أكن لأتوقع ذلك يا صديقي! أنا التي تتشبّث بذكرياتها كمن لا تريدها أن تنفلت من يديها فجأة، أُبقيها دائماً حولي، أعودُ لها بين فينةٍ وأخرى، أجدُ فيها الملاذ والسلوى، أهربُ من يومي إليها حتى إذا ما لبثتُ أحلمُ فيها فاجأتني صفعةٌ من يومي تُعيدني إلى الحياة من جديد.

تخيّل .. بالأمس كنتُ أحاول الوصول إلى ذكرى قديمة، أحد ذكرياتي التي لطالما لذتُ إليها لكني ظللتُ الطريق إليها .. نسيتُ بعض معالمها! كيف ذلك؟ أتصدّق ما يحدثُ لي؟ كيف بدأتُ بنسيان أجزاء كثيرة منها؟ حاولتُ كثيراً أن أستعيد على الأقل بعض الملامح، ابتسامتهُ التي كانت هادئة وناعمة كهدوء عينيه التي تنظرُ باتجاهي، وشيءٌ ما .. شيءٌ ما في نظرته تلك، كأنه يعلم بأنه لن يستطيع فعل شيء، لن يستطيع الوصول ولن يستطيع أن يقترب أكثر .. أو ربّما كان يخشى أنّي لا أفهمه، هل كان ينظر شفقةً أم رحمة لهذه الصغيرة التي لم تكن تفهم خجلهُ الدائم، تلعثمه ونظراته الخجلى.

كنّا أطفالاً وقتها، لم أفهم هذا المشهد الصامت الذي كان يتكرّر كثيراً، لكني كنت أفهم هدوءه وأفهم هذا الصمت .. كنتُ أدعهُ هكذا، صامتاً كما كان، وكما كنّآ نحنُ أيضاً.

اليوم، نسيتُ أيّ يومٍ كان، كم كان عمري حينها؟ هل كان الوقت شتاءً؟ أم ربما صيفاً؟ ماذا حدث بعدها؟ كيف كسرنا المشهد؟ بل كيف بدأ؟ متى بدأنا؟ هل بدأ شيء لينتهي أصلاً؟

هل شعرتَ مرّة كيف تنسلّ خيوط الذاكرة من رأسك؟ كيف تهربُ بعيداً عنك وأنت تحاول اللحاق بها دون جدوى؟ هل كنتَ ستدعُها تنسلّ هكذا؟ هل تفرح بالخلاصِ منها؟

كل شيء بدأ بالهرب مني، كل ما أراهُ الآن منها هو البياض الفارغ من كل شيء عدا الهدوء في وجهه وذاك الصمت، وتلك الابتسامة التي لم أشعر بها ولم أفهمها إلا متأخراً جداً.

أسأل نفسي، لمَ الآن؟ لمَ الآن بالذات قررت هذه الذكرى البيضاء بالتلاشي؟ أيعني ذلك شيء؟ الكثير من اللحظات بدأت بالاختفاء تدريجيّاً، تخيّل أن يبقى الإنسان مجرّداً من ذكرياته؟ من ماضيه؟ تُرى .. هل يصمُد طويلاً في هذا العالم؟ قل لي؟

أضف تعليق