” كان والدي رحمه الله يردد دائماً: لا يمكن لأحد أن ينتصر إلى الأبد، لم يحدث أبداً أن ظلّت أمة منتصرة إلى الأبد. ودائماً كنت أفكر فيما قاله، لكنني اليوم أحس بأن شيئاً آخر يمكن أن يُقال أيضاً وهو إنني لستُ خائفاً من أن ينتصروا مرة وننهزم مرة أو ننتصر مرة وينهزموا مرة، أنا أخاف شيئاً واحداً أن ننكسر إلى الأبد، لأن الذي ينكسر للأبد، لا يمكن أن ينهض ثانية، قل لهم احرصوا على ألا تُهزموا إلى الأبد.
أحس نوح وإيليا أن كلماته تتحوّل إلى وداع، كانا ساهمين.
ثم عاد صوت الحاج خالد من جديد: هل تذكر يا نوح ذلك اليوم الذي أتيت فيه بعد خطبتك لفاطمة، قلت لي: إنك قد هُزمت في معركتك من أجل بقراتك، وقلت لك: لا لم تنهزم، لأنك حين هجمت لم تكن تريد أن تنتصر، كنت تريد استرجاع حقّك. الشيء الوحيد الذي لم يخطر ببالي في أي يوم من الأيام، أنني ذاهب لألحق الهزيمة بأحد، كنت مثلك ذاهباً لأحمي حقّي. وأنا الآن لا أريد التسلل هارباً، ولا أريد أن أقول لهم أكثر من هذا: أنا لا أقاتل كي أنتصر، بل كي لا يضيع حقي.”
كانت تلك وصية الحاج خالد .. أو خالد الحاج محمود.
بداية الرواية حينما كان الكاتب يصف أرض الهادية وسهولها وأشجارها، رسم في مخيّلتي تلك الأرض السعيدة التي يخرج أطفالها نهاراً مع المواشي ليرعوها وأتخيّل أرضاً خضراء جميلة على مدّ البصر .. أتخيّل أهلها كما وصفهم .. المُضافة ومهباش حمدان والقهوة .. و ” الحمامة ” و خالد الشابّ وحكايته مع أمل، ياسمين، و سميّة .. أحببتُ الخيل أكثر، اهتمامهم بها كان يعجبني، عاداتهم، احتفالاتهم وأعراسهم كانت جميلة جداً، عرفت الكرم، والأصالة بحقّ!
الرواية تحمل رسائل رائعة جداً! أو معاني مهمة، الخيل كانت تمثّل الشيء الكبير والغالي جداً .. يصل اهتمامهم بالفرس كاهتمامهم بالبشر! لازلت أضحك كلما تذكرت قصة ناجي ابن الحاج خالد .. لازال صبيّاً / شابّاً صغيراً وقتها، حينما سمعت والدته سمية صوت تكسير الصحون فاتّجهت لتكتشف بأن ناجي “المفعوص كما تناديه أمه” هو من يقوم بتكسيرها، سألته فجاءتها الصدمة بأنه يريد أن يتزوّج مهرة! “الشهباء” اسمها، لكن صاحبها لا يُعطيها أيّ أحد، فمن يتزوج ابنته له الحقّ أن يأخذها معها .. لذا اضطرّ هذا الصبيّ من الزواج بتلك الصبيّة من أجل “الشهباء”!
في هذه الرواية تعرّفت على روح الفلسطينيين عن قُرب أكثر، القوّة، الشجاعة، في رجالهم ونسائهم وأطفالهم – وهذا نشهدهُ منذُ زمن وحتى الآن وأمام أعيننا – أيضاً دفاعهم عن الحقّ دائماً ولو كلّفهم الكثير! طيبة أهل الهادية، و تعاونهم فيما بينهم وعدم تنازلهم عنها حتى نهايتها!
بالإضافة إلى أسلوب إبراهيم نصر الله الرائع في السرد .. مشوّق ومثير جداً! كانت هناك عدة أمور شدّتني في الأحداث التي حصلت .. طبعاً هو اعتمد على مصادر أخرى مثل بعض المذكرات والكتب التي تناولت تاريخ فلسطين منذ تقريباً زمن العثمانيين إلى 1948 .. دخول بريطانيا واليهود وأول مظهر لقيام الوطن القومي اليهودي في فلسطين .. تفاجأت بذكر شخصية أمين الحسيني ربما مرة، مرتين أو ثلاث، وبطريقةٍ ما تذكرت حكومة الظل .. في الاجتماع الذي حصل في إسطنبول، عندما أتى الشيخ/ الحاج أمين الحسيني يخبرهم عن خطط اليهود لإقامة دولة لهم في فلسطين ولسببٍ ما لم يُصدّقوه، كيف ستتخلى الدولة العثمانية عنها وتتركها هكذا؟ كان ذلك في عهد السلطان عبدالحميد الثاني عندما رفض بيع فلسطين فأسقطه اليهود والماسون .. في الوقت الذي بدأت فيه الدولة بالضعف .. وظهور الأحزاب فيها وتفرّقها ومن ثمّ سقوطها .. أحداث كثيرة كلها بدأت ترتبط فجأة .. علمت بأن هناك حلقات ناقصة لديّ لم تكتمل، فقررت القراءة والإطّلاع أكثر عن هذا التاريخ ..
أولئك الكتّاب العُظماء، هل يُدركون كيف تركوا عن عمدٍ بعض الرسائل بين صفحات كتبهم، تلك التي كتبوها ونقلوا فيها إلينا تاريخاً لا يُنسى، لنجدهُ الآن يتكرّر أمامنا، يُعيدُ أحداثه .. بتسارع ونمط مختلف قليلاً لكنه يشبهه كثيراً ..
” لكن الحق علينا يا عمي، فنحنُ ننسى، الله كم ننسى، يا عيبنا كم ننسى، كيف نسينا أنهم خدعونا عام الـ 36، كيف؟ كيف ننسى؟! أرسلوا لنا جيوشاً صنعها الإنجليز ويقودها الإنجليز لتُقاتل الإنجليز واليهود الذين يحميهم الإنجليز، كيف صدّقنا؟ “
وأخيراً، لا أُخفي بأني تأثرت بالرواية وأحداثها كثيراً، بكيت وحزنت من أجلها .. تلك ” الهادية ” التي حاول اليهود أن يُزيلوا آثارها ويمحوها تماماً، كل تلك الحروب التي خاضوها، الثورات التي قادوها أهل الهادية .. موت الحاج خالد .. عشت الأحداث معهم، كنت .. معهم.
“عمّي يا أبو الفانوس .. نوّر لي عا العتمة .. خوفي الطريق يطول يابا .. ويطول معك همّي .. ويطول معك همّي” – سميّة زوجة الحاج خالد

رآئع ..
لا إله إلا الله ..
بحق تحمست أكثر لقرآئتها :D
أهلاً إبراهيم .. فعلاً كانت رواية رائعة، أنصحك فيها كثير .. تجمع بين أسلوب إبراهيم نصر الله الشيّق وبين أحداثها وتفاصيلها التي تتحدث عن تاريخ فلسطين ..
قراءة ممتعة :)
كنت نويت أن أقرأها واقتنيتها كpdf لكني وجدت انها سلسلة ويحسن بي أن قراها من بدايتها ، والآن وضعتها في قائمتي وسأقرأها بعد الإمتحانات ، دعواتكم .
أما الخيول ، كنت أقرأ من يومين خبر مفاده أنه في كوريا الجنوبية افتتحوا مركزا لمعالجة إدمان المراهقين على الإنترنت ، وكم كان فرحي عندما نبهني صديقي لقول سيدنا عمر رضي الله عنه : “علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل” .
وأما حكومة الظل وجزأها الثاني عودة الغائب ، قرأتهما مرة وأود قرائتهما مرة لأدون منهما ملاحظات لكن للأسف .
وأما أهل فلسطين فكم أحبهم وأتمنى أن نأتيهم فاتحين .
وأما التاريخ والفلسطيني منه على وجه الخصوص كم نحن بحاجة إلى دراسته والاهتمام به