29 | حين أتحدث عن الفقد

أحياناً، وكثيراً أتمنى لو أموت قبل أن أفقد أيّ أحد .. قبل أن أفقد أحداً في الحياة وأراهُ بعيداً عني، لا أستطيع الوصول إليه ولا الحديث معه .. وقبل أن أفقد آخر بموتهِ فلا لقاء إلا في جنةِ الخُلد، أسألُ الله أن يجعلنا ممن يدخلها ويُخلّد فيها، اللهم آمين ..

أخشى الفقد كثيراً، أذكُر حينما فقدت جدتي قبل ستّ سنوات .. بكيتُ كثيراً، والآن .. أختنق كلما ذكرها أحد، كلما رأيت امرأة كبيرة بالسن، تذكرتها .. في آخر سنة لها قبل موتها، كنت أنام معها كل ليلة، نشاهد التلفاز سويّاً .. تحكي فوق رأسي بعض الحكايات التي حدثت معها وتحب أن تخبرنا عنها دائماً، لا يهم كم من المرّات كانت تحكيها .. كنا نبتسم ونضحك في نفس الجزء المضحك من القصة .. في كل مرّة، كانت تحب ذلك .. كانت تستمتع وهي تحكي لنا عن ماضيها وأيامها القديمة .. أشتاق لها الآن .. أتعلم ما أتمناه في هذه اللحظة؟ أريد أن أنام في حضنها أو أعانقها فترة طويلة .. دون أن أتركها أبداً ..

كنا بالرياض نحضر زواج خالتي الصُغرى، كان ذلك ثالث أيام عيد الأضحى، حين وصلنا إلى الدمام أخبرتنا عمّتي بأنها أُدخلت للمستشفى لأنها شعرت بالتعب الشديد .. كانت تعاني من الكِلى، تغسلها مرتين في الأسبوع .. في ذلك الوقت كان عمري أربعة عشر عاماً، لسببٍ ما، لم تسمح أمي لأخوتي الصغار أن يقوموا بزيارتها أو ربما لأنه لم يكن مسموحاً لهم بذلك، لكني – على كل حال – ذهبت .. وكانت تلك آخر مرة رأيتها .. لم أعلم ما كان يجدر بي قوله .. المكان كان شديد البياض .. مثل وجهها الأبيض الهادئ .. عينيها شديدتي السوادّ، ونظرتها حادّة وابتسامتها هي الأجمل .. الأجمل. اقتربت منها وقبّلت رأسها وأنا لا أريدُ أن أبتعد أكثر عنها .. تمنيت لو بقيت على هذا الحال فترة أطول .. لو أنّي لم أغادر تلك الغرفة التي تفوح منها رائحة المعقّمات .. كنت أمشي مع أبي وعمتي في ذاك الممرّ الطويل، ترددت في البداية قبل أن أدخل إليها، رؤيتها بتلك الحالة ويدها المُتعبة من عدد المرّات التي قامت بها بغسيل الكِلى .. هناك عند المفصل تماماً .. بدَت لي هزيلة ونحيلة جداً .. لكنها لا تزال تلك الجميلة التي عرفتها منذُ أن عرفت عيني النور لهذه الدنيا ..

لم أخبرك من قبل عنها، للتوّ تذكرت ذلك .. هل كنت أخشى الحديث عنها لأني أضعف من أن أتحمل ذلك؟ هل جربت مرة أن تكتب وأنت تبكي؟ أعني أن تتوقف في منتصف السطر، تمسح دمعك بطرف كمّ قميصك أو بأصابعك، ثم تحاول أن تكتب لكن تجد نفسك قد أُصبتَ بالاختناق ولم تعُد تقوى على الكتابة أكثر .. تعرف تلك الغصّة التي تقف في منتصف الحلق، ثم تشعر بالحرارة بالداخل وفي عينيك .. حتى الدمع يصبُح حارّاً حين يسيلُ على خدّيك ..

أتعلم بأنها هي من أسمتني، أسماء؟ أمي أرادت أن تسمّي أوّل حفيدة لابنها، باسمها، شيخة .. لكنها رفضت .. وطلبت من أمي أن أكون أسماء، لم تحبّ أمي اسمي لكني بصدق أخبرك، بأني أحبه وأحبه. رحمِكِ الله أيتها الرّوح الطيّبة، رحمِكِ الله وأسكنكِ الفردوس، جمعني الله بكِ ومن نُحب معاً في جنةٍ عرضها السماوات و الأرض.

لا أدري مالسبب الذي يجعلني أتحدث عنها الآن، لكني شعرت بالرغبة بذلك .. ربما لأني لم أتحدث عنها من قبل أبداً .. أو لأني كنت بحاجة إلى ذلك. أخافُ الفقد .. وأشعر به الآن يحيطُ بي .. لا أريدُ أن أواجههُ من جديد .. أعلم، ستقولُ لي، لكن هذهِ هي الحياة .. سأقولُ أريدُ أن أفقدني قبل أن أفقد أيّ أحد ..

أتعلم ما المؤلم بالأمر؟ أن تشعر أحياناً بفقد من هم لازالوا حولك الآن .. تراهم وتسمعهم وهم موجودين لكنك لا تشعر بهم .. أشعر بهذا الآن .. أشعر بأني فقدتُك .. وكل ما مضى، لن يُستعاد .. وأنت يامن مضيتَ رغم أنك معي، لن تعود. هذا مؤلم، جداً.

 

رأيان حول “29 | حين أتحدث عن الفقد

  1. لا يكون فعل كتابة شيء كهذا سهلًا أبدًا،
    إنه يشبه إعادة فك خياطة جُرح لم يلتئم بعد..

    هذا الفقد لا ينفع معه مداراة ولا مهادنة
    سيأتي حتى ولو لم نِرد ذلك
    وقد نفتعله نحنُ أحيانًا،

    رحم الله جدتك وجمعك بها في الجنة.

أضف تعليق