20 | وصرت عشرين

الحياة لا تتوقف أبداً يا صديقتي .. لا تتوقف لأحد .. ولا لحزن أو فقد أحد .. هي تسير، دون أن تتمهّل للحظة واحدة .. دون أن تلتفت للخلف أيضاً .. لن أقول لكِ لا تحزني، لا تبكي .. بل افعلي كل ما تريدين .. لكن لا تتوقعي شيئاً بالمقابل .. أبداً. لن يقلق من أجلكِ أحد .. لن يبكي معكِ أحد .. لن يأتي أي أحد حتى ليربّت على كتفك ويسألك ما الأمر .. لن يحدث أيّ شيء يا صديقتي ..

قبل فترة، أخبرني أحدهم ألّا نربط سعادتنا بسعادتهم .. ألّا تكون حياتنا حول شخص واحد .. وكأنه كل شيء .. تعلمت أشياء كثيرة .. أحاول أن أكبر فعلاً! أن أفكر بواقعية أكثر دون أن أنسى كيف أحلم أو أتخيل ..

البارحة، تمنيت لو أن بيتر بان خطفني معه إلى نيفرلاند، حتى يتوقف عمري عند التاسعة عشر .. ولا أكبر .. فلا كبار يعيشون هناك .. ضحك بعضهم عندما قلت ذلك، أتعرفين؟ أنا سأكبر، اليوم ، غداً .. بعد شهور أو سنين ربما .. لكني سأحاول دائماً ألّا أفقد تلك الطفلة التي تخبّئ أحلامها تحت الوسادة وتغنّي لها حتى تلتقطها الجنية الصغيرة وتحملها معها حيثُ كانت تحلم دائماً. أريد أن أكبر إذا كان معنى هذا أن أفكر مثل الكبار .. أن أتصرّف بعقلانية وأتهوّر مثل الصغار أيضاً، أن أكون كبيرة في الأوقات التي يجب أن أكون بها على قدرٍ من الجد والمسؤولية وأكون صغيرة حينما أحلم، حينما أحبّ وأعبّر عنّي، حينما أقدّم كل شيء بعفوية .. أن أحتضن أحدهم فقط لأني ممتنة له، لأني سعيدة من أجله أو من أجلي لأنه دائماً حولي، أريد أن أجلس يوماً وأخبرهم عن كل ما أريد قوله دون أن أخشى شيئاً .. دون أن أخاف أن يفهموني خطأً ثم أتذكر أمي وقولها لي بأن ” العالم ليس نقياً تماماً، هناك من يلتقط الشيء ويفسّره كيفما أراد .. هذا العالم أكبر بكثيرٍ مما قد تظنين .. لذا اكبري!” وأنا أردّد في داخلي ” لا أريد!”  .. مؤلم يا صديقتي أن تكبرين، وتفقدين أحلامك الصغيرة .. تلك التي نرددها كل يوم ونعلم بأنّ أيّاً منها لن يحدث أبداً .. لكنها تُبقينا سُعداء .. نعيشُ اللحظة لوحدها .. نفرح بملء القلبِ ونبتسم ..

يا صديقتي، أعلمُ كم هو صعبٌ أن ننسى، لكن يجب أن نتناسى، نتغاضى قليلاً. لن تكوني ساذجة كما يظنّون، أعلم بأنكِ لم تتجاوزي الأمر بهذه السهولة، وبأنكِ اضطررتِ أن تتعايشي معه، شئتِ أم أبيتِ .. لتعيشي. قد تبدو الحياة صعبة كما نقول، قد تكون بائسة كثيراً ولا تُطاق أحياناً .. قد نسأم ذلك كله .. لكنها ليست بهذا السوء أبداً .. كلنا لديه ما يحزنه .. حتى الأطفال أصبحوا يعرفون الحزن أيضاً .. لكنهم يبدون أكثر تحمّلاً له، على الأقل هم لا يشكون كثيراً كما نفعل. هم – على أيّ حالٍ – يعيشون .. ويلعبون، ويخلقون من البؤسِ فرحاً، ويبتسمون .. وهذا مالا نعرفهُ نحنُ ..

لأكون صادقة، كنت أعتقد بأني حينما أصل للعشرين، سأكون قد أنجزت الكثير .. ولكنني خذلت نفسي .. ويكفي هذا الخذلان، لن أتحدث عن الإنجازات التي لم أحقّقها .. أو الإخفاقات والتجارب الفاشلة التي مررت بها .. فكل هذا لا يُجدي .. ولن يدعني أتقدّم أي خطوة للأمام .. أحتاج أن أعرف لمَ فشلت؟ لمَ أخفقت في حين كان بإمكاني أن أنجح؟ لمَ لم أحقّق ما أردت؟ أحتاج كوباً من الشاي وورقة وقلم .. وأكتب كل ذلك في جانب الصفحة .. ثم أطويها وأكتب في جانبها الآخر ما أريد تصحيحه/ تغييره ..

مايو، شهر جميل .. بدايته كانت من أجمل الأيام لديّ .. آمل فقط أن ينتهي بخير .. هذا كل ما أتمناه الآن ..

شكراً يا الله، شكراً لأني لازلتُ أحيا هذا اليوم .. لأشكرك، وأتأمّل النعم التي منحتني إيّاها طوال عشرين عاماً عشتها هنا.. وقلبي لا ينفكّ يردّد في كل يوم .. وكل ليلة .. يارب أحسن خاتمتي وردّني إليك ردّاً جميلا .. يا حبيبي يا الله ..

 “إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده، تحمل الله سبحانه حوائجه كلها وحمل عنه ما أهمه. وإذا أصبح العبد وأمسى والدنيا همه ، حمله الله همومها وغمومها ووكلها إلى نفسه”. – ابن القيّم الجوزية

 وأخيراً، إليّ أنا .. إلى صديقتي، إلى أسمى الصغيرة التي لن تكبر مهما كبرت .. كوني بخير .. أراكِ بعد العشرين – بإذن الله – .

4 رأي حول “20 | وصرت عشرين

  1. حينما أقدّم كل شيء بعفوية .. أن أحتضن أحدهم فقط لأني ممتنة له، لأني سعيدة من أجله أو من أجلي لأنه دائماً حولي، أريد أن أجلس يوماً وأخبرهم عن كل ما أريد قوله دون أن أخشى شيئاً
    لاشي يمنع من اخبارهم فلا مستحيل تحت الشمس

  2. مازِلت دون العشرين وقريباً سأصلها .. ولكن أخشى ذلك كثيراً
    أخشى من فقدان روحي العفوية الصغيرة وإدراكي بأن الحياة قفزة قدم وهواء يملئ شعري !
    أخشى من التمني لأعود لهذه الأيام .. هذا أكثر ما أخشاه
    أسماء ,
    الحرف النابض المتحدث قريباً من داخلي
    أو مشابهاً له بالكثير من التفاصيل
    شُكراً لوقفتك هُنا لتعبري عن بعض الحصاد من العشرين
    ربيعاً الفائته :)

  3. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ..
    تمضي الايام و تسرقنا من يوم لتضعنا في آخر .. رائع ما كتبته بمعنى الكلمة !
    سأقول كما قال الاخرون لانه بحق يجب أن تكبري , سنكبر و نكبر لأن العالم لن يتوقف لأننا نريد 1لك فقط ! .. و لكن لا تقتلي الطفلة في داخلك أبداً .. قولي احلامكِ ككل يوم كان .. ابتسمي ع نكتة نملة , رغم انكِ لا تسمعينها ! (فقط مرت بجانبي نملة الآن لذا خطرت ببالي ان اضعها :^^: ).. ابتسمي اكبر كوني أنتِ كما تريدين و اسعي في تحقيق ما تتمنين , جميلة هي خاتمتكِ .. إلى انتِ بعد 20 سنةً أخرى : أتمنى أنكِ بخير و قد حققت ما ترديدن ^^

اترك رداً على شريفة عــدنان المـالكي,’ إلغاء الرد