مضت الأيام سريعاً .. أسرع مما ظننت .. وأسرعَ جداً مما ينبغي لها .. مضت هكذا دون أن تسمح لي أن أستوقفها بلحظة .. أكتبها .. أصوّرها .. وأخبّئها في جيبِ ذاكرتي، كل شيءٍ حولي كان يجري سريعاً .. إلا أنا .. كنت كالعاجزة تماماً عن اللحاقِ بهم .. شيءٌ ما يقفُ بيني وبينهم .. صوتٌ ما يصرُخ برأسي .. يُعيقُني عن سماعِ أصواتهم التي تُناديني من بعيد .. و عُتمةٌ شديدة تمنعني عن ضوئهم الذي يخترقُ عيني و يُبدّدُ ظلاماً يُحيطُ بي حين وحدتي ..
استيقظتُ اليوم .. ولم أفُق بعد من حلمٍ رافقني لمدة أيام .. كنتُ في حالة لا أدري كيف أصِفُها .. كانت رغم كل شيء .. سعيدة جميلة .. ولكني لم أعي كل ما حدث إلا متأخّراً جداً .. بعد أن رحلت تلك الأيام التي لم أستطع أن أعيشها كما كانت .. تمنيت أشياء كثيرة لكنها لم تتحقق .. أعترف بأني لم أسعى لها .. لأسباب كثيرة قد لا أفهمُها كلها .. أو لأني فقط لا أريدُ أن أفكّر بها .. ليس عجزاً منّي بل لهربي منها وعدم رغبتي بالحديث عنها ولو بيني وبين نفسي والكتابة ..
أن تصِل لمرحلةٍ كهذه .. أن تمنع نفسك من كتابة شيءٍ ما لأنك خائف .. منها! تخاف أن تكتُب ما كنت تمنع نفسك من الكلام عنه .. تخافُ أن تصرُخ بما كنت تحاولُ جاهداً أن تكتُمه و تخبّئهُ جيداً .. بعيداً عنهم .. وعنك أيضاً ..
كم نبدو ضُعفاء جداً حينما نخشى أن نواجه أنفسنا .. أن نهرُب من كل شيء قد يُرغمنا على البوحِ بأشياء لا نريدُ لأحدٍ أن يسمعها أو يقرأها .. أحياناً ولضعفي الشديد .. أعترف بأني أخشى كثيراً أن أكتُب لأني لا أُريدُني أن أقرأ ما كتبت ..
حينما نبدأُ بالانغماسِ في هذه الحياةِ التي نظنّ بأنها ستُنسينا ما نرُيدُ أن ننسى .. ننشغلُ بمادّيّاتها و توافهِها .. و نغرقُ بأشياء ظاهرة ، قد لا تحتلّ أيّ حيّز في داخلنا .. نغفلُ حينها عن شيءٍ .. عن شعورٍ هو كل شيء .. وهو ما يعني لنا الكثير في هذهِ الحياة. كم نحتاجُ أن نجلس طويلاً معنا .. و ننسى ما يُحيط بنا لبعضِ الوقت .. نرتّبُنا .. نسمعُنا .. وندخُل في صمتِ الهدوء .. ونسكُنُ وسطَ السكون. كنتُ أتخيّل نفسي دائماً .. أجلس في كرسي صغير .. وطاولة صغيرة أمامي .. يشغُلها كوبُ قهوةٍ كبير .. ودفتر ضخم .. أُحدّقُ بصفحتهِ الأولى الخالية من السطور التي سأكتبها لاحقاً .. ربما الآن .. وسط هذه الفوضى التي تحيط بي .. وسط كل هذا الضجيج الذي يعلو ويعلو ولا يدعُني أن أخطّ حرفاً واحداً في دفتري هذا .. أجلسُ هناك .. في زمنٍ توقّفتُ فيهِ أنا .. بينما كان الجميعُ يركضُ حولي دون أن ينظر أحدهُم لتلك التي تجلسُ وحيدة .. يستضيفُها الفراغ و يحتضِنُها .. يُشاطِرُها قطعة الكعكِ التي لم تقضِم إلّا طرفها .. وأبعدتها عنها .. يستمعُ لثرثرتها مع كوبِ القهوةِ الذي بين كفّيها .. ويحثّها على كتابةِ كل ما يشغُلُ عقلها الذي لم يهدأ منذُ أيام ..
أن تجلس هكذا بصُحبة الفراغ، ليسَ أمراً رائعاً على كل حال، قد يكونُ كذلك أحياناً .. لكنهُ ليس كما يبدو عليه .. أن تشعُر بهِ وهو يُنصت لكل ما تهذي بهِ في عُزلتك التي تصنعُها بنفسك .. ثم تُديرُ رأسك وتلتفتُ هناك، لتجدهم جميعاً – وفجأةً – حولك .. ولكنهم لا ينظرون إليك .. بل ينظرون خلالك .. يعبُرونك .. يتجاوزونك .. وتعلقَ رائحتهم .. صورهم .. أشكالهم .. كلماتهم وابتساماتهم .. وكل شيء، في ذاك الجزء من الذاكرة .. في وسطها تماماً .. ومهما حاولت أن تُهمّشها .. تعودُ إلى حيثُ كانت. يؤلِمك كيف لا تتشبّث بك أياديهم .. و لا تلتقي أعينهم بعينك التي تُتابعهم أينما كانوا .. ولا يسكنُ قلبهم ما يستوطنُ قلبك بكل شيءٍ يتعلّق بهم ..
في تلك الليلة .. أردتُ أن أبكي كثيراً .. ولم أستطع أن أذرف ولو دمعة واحدة .. كنتُ أريدُ أن أتخفّف من بعضِ ما يتعبني ولا أستطيعُ الإفصاح عنه مهما حاولت .. أعلمُ بأنّ شيئاً ما ليس على ما يُرام ولكنني لا أرغبُ أن أقترب منه .. أشعر أحياناً بأني في حالة هرب دائمة .. أهرب وأهرب دون أن أعرف إلى أين .. كنت أخشى أن أقع في تلك البقعة التي أخافُ أن أصِل إليها ولا أستطيع النهوض بعدها أبداً .. فتغرق قدمي داخلها .. و أعلَق بالمنتصف .. وأتوه في الظُلمة، وأظلّ بعدها أبحثُ عن نورٍ يغمُر عيني و يرفعُني إلى الأعلى. لستُ ممّن يحبُ التفكير بكيف علِقت، بقدرِ ما أرغبُ بكيفيةِ الوصولِ إلى نهايتهِ التي أريدُها، قد أُضحّي بشيءٍ ما مُقابل ذلك .. قد أبذُل فوق ما أستطيع .. لا يهمّ كل هذا التعب .. كل هذا الألم الذي سأعاني منه .. ما دمتُ سأصلُ إلى أمنية وحيدة هي كل ما أحبّهُ في هذهِ الحياةِ .. سأنتظرُ كثيراً وسأصبرُ ما دامت هذهِ الروح تحاولُ العيش، رغم ما يُعيقها من أشياء هي أكبرُ منها بكثير .. لكنني أنتظر .. أنتظر ..

على ذكر الحلم .. اليوم مكثت ساعة كامل مع سلمان العودة في الحلم !
كنت معه في بيته .. وكان يتعامل بكل تلقائية معي وأنا كذلك .. كانت الساعة متأخرة ولم أنتبه حتى ألمح لي .. اعتذرت منه وكنت أود أن تطول الساعات لأمكث أكثر بضيافته !!
لا أدري ما التفسير .. ولا أدري لم قلته هنا بالذات :)