17 | قلق؟

كانت الساعة الثالثة صباحاً عندما رنّ الهاتف لأول مرة ولكنه توقف ، وما أن وضعت رأسي من جديد لأنام حتى سمعت بعض الطرق على باب غرفتي .. ترددت قليلاً في فتحه .. إخوتي الصغار لا يطرقون الباب عادةً ، هم يقتحمون الغُرفة دون أيّ استئذان .. لذا ، أستطيع أن أقول بأني كنت خائفة بعض الشيء ..

لم يكن السيد روتشيستر واقفاُ خلف الباب ويطرقهُ على عجل ، لتخرج جين آير ويكلّفها بمراقبة أخ زوجته القادم من أسبانيا .. ولم يكن شخصاً ذو قناع مُخيف ، يحمل بيدهِ مُسدّساً أو سكيناً كبيرة يُهدّدني بها .. ولم يكن على أيّ حال شبحاً .. كأحد أعمام كاسبر الكريهي الرائحة والمُثيري للاشمئزاز ، يطرقون الباب لمجرد الإزعاج ثم يعبرون من خلاله .. آه وليس قنديش ابن أخت عيشة قنديشة زوجة ضاري في رواية الجنية .. ولو أني قد تمنيتُ الأخير ، رغبةً في حديث فلسفي شيّق .. لكن لم يكن أيّاً منهم..

عُدت إلى سريري ، ظنّاً منّي بأني كنت أتخيّل ذاك الطرق الخفيف .. لكن ، لم تلبث دقائق حتى عاد الطرق مرة أخرى .. بنفس ذاك الصوت الرتيب الهادئ .. مددت يدي نحو مقبض الباب بثقة لم أعهدها مني وفتحته .. ولخيبتي ، أيضاً لم أجد أحداً ..

قررت بعدها ألّا ألتفت لطرق الباب .. وأكملت قراءة الكتاب الذي سقط بجانبي وأنا أقرؤه قبل أن أنام .. كانت الكلمات تتشابك أمامي .. ورأسي يدور .. لم أشعر بشيءٍ سوى بأيدٍ بدأت تتلقّفني وتضعني في سيارة تُصدِرُ صوتاً عالياً يشقّ السكون .. فتحتُ عيني في مكانٍ اكتسى بالبياض .. ابتسمت ببلاهة وأنا أنظر للوجوه التي لا أعرفها .. مدّ أحدهم يده ليُصافحني .. بدا وكأنه يعرفني .. كان ينظر إلى عينيّ وكأنه يخبرني ألاّ أقلق ..

أقلق؟ هذا القلق الذي لازمني طوال تلك الأيام ، هذا السهر الذي يقتُل صباحاتي الهادئة .. منذُ فترة والهدوء غائبٌ عنّي ..

ألمحهُ يمرّر ورقة صغيرة لآخر يقفُ بجانبه .. يخرُج ويعودُ حاملاً كيساً قدّمهُ إليّ .. كنت أعلم ما بداخل الكيس لذا رفعت رأسي أستفهمُ الأمر .. طمأنني بأن كل شيء بخير ولا داعي للقلق ..

قلق مرة أخرى .. يبدو أنهُ سيقتلني حتماً .. سأموتُ قلقاً إذاً .. ناولني أحد المسكّنات وكأس ماء ، سألتهُ قبل أن يخرج معهم “ليست هلوسات صح؟ أعني كنت أسمع طرقاً على باب غرفتي ! استمرّ الطرق وأنا أحاول أن أشتّت خوفي وأقرأ الكتاب الذي لا أدري ما الذي حدث لي بعدها ” .. لم يقُل شيئاً .. ابتسم لي مرّة أخيرة وأغلق الباب خلفه ليتركني وحدي .. في تلك الغرفة الباردة .. كنتُ أريدُ أن أرتاح وحسب .. نظرتُ إلى حبتيّ الدواء في يدي .. تناولتُها واستغرقت في نومٍ عميق ..

طرقٌ على باب غُرفتي .. نورٌ مُضاء بجانبي .. وأنوار أُخرى أُضيئت .. وصوت أبي يُعيدُني إلى هُنا .. إلى الفجر  .. لأستيقظ أخيراً ..

 التدوينة الرابعة في رحلة أبريل للغة العربية للاستخدام اليومي

رأي واحد حول “17 | قلق؟

أضف تعليق