11 | انسى .. انسى

هذهِ الأيام التي نعوّلُ عليها كثيراً .. كفيلةٌ بأن تغيّرنا .. تُبدّلنا إلى أشخاص آخرين ، لم نكن لنتعرّف عليهم قبلاً .. قد نعيشُ فيها لحظات فرحٍ مؤقتة وزائلة .. قد تُخفّف علينا بعض الوجع والحُزن .. قد تُبدّد ألم البُعد .. و ندّعي فيها بأننا تجاوزنا الماضي ..

لكنها – رغم ذلك – ليست كفيلةً بأن تنفُض عنّا مشاعرنا الأولى .. لحظات لقائنا الأول .. وصمتُنا الخجول ذات ليلة و أخرى ..

هذه الأيام يا صديقتي ، التي نظنّ نحنُ بأنها قد تُنسينا من أحببنا .. من أفنينا العمر ننتظرهم .. ليست قادرة أبداً أن تجعلنا نتخطّاهم .. وإن حدَث ذلك رُغماً عنّا .. فنحنُ وقتها نُكابر .. ندّعي بأننا نستطيعُ أن نمضي دون أن نلتفت .. دون أن نتعثّر بين لياليها وساعاتِها التي نقضيها إما وحيدين .. أو ضائعين بين آخرين نقولُ بأننا نعرفهم .. دون أن يعرفوننا بالضرورة .. نُحيّيهم ونُحاول بدء حديثٍ معهم فتجتاحُنا غصّة إذ يذكُرون في حديثٍ عابرٍ ، دون قصدٍ أسماء أولئك الذين نعتقدُ بأننا سننساهم ..

نقولُ كلاما كثيراً وسهلاً جداً دون أن نعي حقيقة ما نقول .. دون أن نُدرك صُعوبة الأمرِ فعلاً ..

قالها مرّةً ” الاعتياد أسوء من الحب .. والأسوء منهُ أيضاً أن يأتي أحدٌ ليشغل مكان من اعتدنا عليه .. فنؤذيه لأننا لم ننجح في تقبّله “..

هكذا نحنُ .. نعتادُهم بعد أن أحببناهم وأخلصنا لهم بصدق .. لكن ، قد تضطرّنا الحياةُ أن نُفارقهم .. بعد سنين ، وربما شهور .. فيأتي أحدُهم .. يحاول أن يشغُل مكاناً خالياً كما يظنّ .. ولا يعرف الحقيقة بأنهُ لم يعُد خالياً كما كان .. بل لازال مشغولاً بمن فقدناهم ..

صحيح بأنّ أيامنا انتهت ، ولكن مشاعرنا لم تنتهي ، لم تتغير .. هي تحاول أن تعيش بعدما رحل أصحابُها .. تصحو كل يوم على واقعٍ غير قادرة على تصديقه .. هي تعرف جيّداً بأنها يجب أن تمنح نفسها لآخرين .. أن تتنحّى بعيداً ، أو قليلاً فقط من أجلِهم .. لكن القلب يخشى أن يظلمهم ، أن يتشبّثَ بمن رحل .. دون أن يقدّم لهؤلاء القادمين فرصةً ليمنحوهُ الحُبّ والعطف ..

أما هُم ، من ملكوا القلب زمناً ، أولئك الذين نضعُف دائماً أمامهم وبعدهم ، فما نصنعُ بمتعلّقاتهم التي تُحيطُنا وتقع عليها أيدينا وأعيُننا كلما التفتنا أو هممنا بفتحِ دُرجٍ أو كتابٍ قديم لنجِدها .. تبتسمُ لنا بمكرٍ ” لن تهربوا منّي أيضاً ” .. نضحكُ من فرطِ القهر .. ونقولُ بصوتٍ عالٍ نحنُ قادرون على التخلّص منها .. من تظنّ هيَ حتى تبتسم بهذا الشكل وكأنها انتصرت على النسيان .. نعودُ لصمتِنا ونقول بصوتٍ خفيض .. أيّ نسيانٍ هذا الذي نتحدّثُ عنه؟

كفانا خِداعاً .. كفانا ادِّعاءً بقُدرتنا على أن ننسى ، ونحنُ لم نخطو حتى خطوةً واحد لنتناسى فقط! كم نبدو مُثيرين للشفقة ونحنُ نردّد كلاماً لا نعنيه ، ولا نفهمُ مدى صعوبته ..

“الحل سهل أوي .. يعني .. من غير فلسفة كتير .. لمّ كل حاقه تفكّرك بيها .. الصور والجوابات والورق .. والهدايا .. أيّ حاقه .. حطّهم في صندوق جزمة قديمة عندك .. وارميه تحت السرير .. فوق الدولاب .. في أيّ حته .. المهم إنك ما تشوفوش .. وانسى .. انسى”

النسيان ، الباب الذي مهما حصل .. لازلت لا أملك القوّة لأعبُر من خلاله ..

بابُ النسيان .. فاصلة ،

أضف تعليق