4 | مدينة الرحيل ..

مرّت الأيام الأولى بطيئة و ثقيلة جداً .. كيف هوَ الأمرُ حينما تنامُ وشوقٌ يسكنُ جفنيك ويسرُقُ منك النوم والراحة؟ وحينما يُغالبِكَ النعاسُ وأنت تستمع لقصيدة قديمة فتذرفُ دمعاً و تنامُ مُرغماً ، ثم لا يلبثُ الصباحُ أن يوقِظُك على ذاتِ الشوقِ القديم ، يُعاوُدك بنفس هذيانه و عُنفهِ الشديد .. كيف لي أن أهدأ أو أهنأ وشوقٌ كهذا يُتعبُني و يُنهكني؟ كيف للشوقِ أن يُشقينا هكذا؟ كيف لهُ أن يعبثَ بنا و بمشاعِرنا التي لا تحتملُ هذا الكمّ من الاشتياق! يااااه كم هو كثيفٌ شوقي لك!

اليوم ، تمنيتُ الذهاب إلى مدينةٍ .. أذكرُ بأني قرأتُ عنها كثيراً في قصص الخُرافةِ و الخيال! قُل لي أين توجدُ مدينةُ الغياب؟ مدينةُ الرحيلِ؟ مدينةٌ يسكُنُها الراحلون ولا يرحلون منها؟ يسكنُ في أطرافِها بيوتٌ مليئةٌ بهم .. بكل الغائبين الذين جاؤوا إلينا ذات صباحٍ جميل وغادرونا في ليلِ البردِ و الصقيع!

ليس هُناك أقسى من أن يرحلوا إلى مُدنٍ وحدهم يملكون حقّ السكنِ بها و لا يسمحون لسواهُم أن يأتوا إليها ولو بتأشيرةِ الزيارة! أو حتى لتبادُلِ الرسائلِ بينها وبين مساكنِهم القديمة ، يُذكرُ بأنّها قلوبُ مُحبّيهم التي لازالت تُحيي حُبّهم و ترثي فراقهم بعد رحيلِهم!

تسلّلتُ يوماً إليها في أحدِ أحلامي البعيدة .. فلمحني أحدُهمُ و قذفني بعيداً عنها .. و تركني لليلِ و السهر ، للبردِ و الحُزن .. وحيدةً ، لا يؤنسُني أحدٌ سوى ظلّ القمرِ الذي ينعكِسُ في البحيرةِ ، تعيشُ بها جنيّاتٌ صغيرة لطيفة .. اقتربت منّي إحداهُنّ ، تسألُني بصوتٍ ضعيفٍ خافِت ” لمَ هذا الوجهُ الحزينِ الشاحِب؟ ” صمتّ طويلاً ولم أُجب .. سقطت دمعاتٌ على خدّي فكفكفتها بحنانٍ شديد .. لا أُخفي عليك بأنّهنّ جميلات و لطيفات للغاية .. أتعلم؟ خبّئوني تحت شجرةٍ كبيرة كانت بجانبِ تلك البُحيرة .. و نامت معي جنّيةٌ صغيرة .. حكَت لي كيف أتوا أولئك الإنس الذين تسكنُ محاجِرُهم أعينٌ فارغة .. قالت لي كيف شعرت بأرواحِهم خاليةً من العطفِ و الرأفةِ بمن رحلوا عنهم! حتى الجنيّة الصغيرة تلك، استطاعت أن تشعُر بمدى قسوتِهم و أنانيّتهم المُفرطة!

قُل لي بأنّي حساسة و سريعة البُكاءِ كالأطفال .. قُل لي بأني مُتطلّبة جداً! قُل عني ما تشاء .. لن أُنكِر ذلك! و لكن ، و رغم كل شيء .. كيف تعلّم قلبُك القسوة هكذا؟ كيف لهُ أن يجحد أيام انتظاري لك! كيف لهُ أن ينسى بتلك السهولة قلباً آخر أحبّهُ أكثر مما كان يُحبّه و أكثر بكثيرٍ مما كان يظنّ؟! كيف لكَ أن تتخلّى عنها ؟ هي من ترى فيكَ أحلامها و أيامها القادمة؟ أنا لا أفهمُ كيف للبشرِ أن يفعلوا ذلك لمن أحبّوهم يوماً! لا أفهمُ كيف يستطيعُون ببساطة اتّخاذ قرارٍ قاسٍ جداً كالرحيل؟

قالت لي – يوماً – أمي ” لا تتعلّقي كثيراً بالأشخاص فتفقديهم و يغدو فراقهم لكِ صعباً أكثر مما يتحمّلهُ قلبكِ الصغير هذا ، قلبكِ لم يتعلّمُ بعدُ على جفاءِ الناسِ وقسوتِهم .. ليس العالمُ كما تقرئين عنهُ في الرواياتِ و القصص التي أحكيها لك قبل النوم .. وليسوا جميعهم كما تظنّينهم .. ليسوا يا حبيبتي مثل بيتكِ و عائلتك .. لا أحدَ يهتمّ إن كنتِ تتوقعين ذلك! ولا أحد يُقدّمُ لكِ ما تحلُمين إن كنتِ أيضاً تنتظرين ذلك ! ” ..

فاصلة ،

أضف تعليق