" أيّ حزنٍ يبعثُ المطر ؟ "

الساعة السابعة و الربع صباحاً .. مكالمة سريعة لصديقتي أخبرها بأني أنتظرُ خارج منزلها لنذهبَ معاً إلى الجامعة – كما اعتدنا -.
ثرثرتُ كثيراً معها و ” نفسيتي زي الفُل ” و بيدي كتابُ البرمجة الذي كنتُ أتصفّحهُ سريعاً .. مروراً على بعضِ الأكواد التي ربّما نسيتُها ..
وصلنا الجامعة في الثامنة إلا بضعَ دقائق ..
صباحٌ لطيفُ مليء بالضحكات و الثرثرة العفوية جداً ..
ساعتين من محاضرة – Discrete Math – الجميلة .. و دكتورة المادة اللطيفة والتي تبتسمُ كلّما ابتسمتِ أو حتى ضحكتِ لـ ” سالفة ” أو نُكتة أخبرتِك إيّاها صديقتُكِ التي بجانِبِك ..
بداية يومٌ لطيفة جداً ولا يُمكنُ أن تكون ألطفَ أو أجمل من ذلك ..
شهِدتِ الدمام اليوم طقساً لا مثيل له! جو – لندني باريسي – ، أو زي ما نقول .. ” جو برّ ” .

كل شيء كان يبدو على ما يُرام ..
منذُ أن دخلتُ غُرفتي و انتابتني حالة اختناق شديدة ..
دمعةٌ أبت أن تفرّ من عيني .. و حُزنٌ لم أجِد لهُ مُبرّراً .. أم أنني لا أريدُ الاعترافَ بهِ ؟!
لا أدري!


” أحياناً يُصبِحُ البُكاءُ صخباً لا معنى له .
لو نعلمُ متى نبكي و متى نسمحُ لدمعةٍ ما أن تفرّ من أعيُنِنا؟ إنها لحظاتٌ دقيقة حاسمة تلك التي نتّخذُ فيها قراراً بالبكاء .
إنهُ يُشبِهُ مبضع الجرّاح الذي يقطعُ هنا فيشفي ، و هناك فيميت ” *

كل الذي أعلمهُ جيّداً بأنّي أغلقتُ باب غُرفتي .. و اختبئتُ تحت ملاءاتِ السرير و بكيتُ كما لم أبكِ من قبلُ أبداً .. أبداً!
بللتُ وسادتي بالدموعِ ولم أكتفي من ذلك .. حتى بدأتُ بالنحيبِ و أنا أُكتُمهُ حتى لا يعلو ..

” آمنتُ أنه من الصعوبة على مثلي أن يتّخذ قراراً كهذا . قراراً بألا يبكي ” *

ما الأسوء من أن يراك أحدٌ ما و أنتَ في حالةٍ بُكاءٍ هستيرية .. لا تستطيعُ حتى أن تتمالك نفسك .. و تجفّف ما بلّلهُ دمعُك !
حاولتُ قدر استطاعتي أن ألملمَ نفسي بعض الشيء .. حتى لا أتبعثر .. و يصرُخُ جسدي طالباً الرحمة .. يا عينُ كفاكِ بُكاءً .. كفى .. فلا أحد يأبهُ إن بكيتِ ..
ولا قلبٌ يتفطّرُ حُزناً لما آلَت إليهِ نفسكِ من هذهِ الكآبة!


” متى يتوقف البشرُ عن البكاء؟
إننا مخلوقاتٌ باكية . ما زلنا نصنعُ أحزاننا ، و نصنعُ أحزان غيرِنا ، و ندبّ على وجهِ الأرض ” *

لم أجرؤ على رؤية وجهي .. لم أجرؤ حتى أن أتأمّل نفسي و أرثيها .. أشفقتُ عليّ منّي .. فازدادُ بُكائي .. حتى غلبني النُعاسُ دون أن أشعُر ..
غفوتُ قليلاً .. و كم تمنّيتُ ألاّ أستيقظَ أبداً ..
فتحتُ عينيّ بتثاقُلٍ على صوتِ أختي و هي توقِظُني ..
جلستُ ممدّة على سريري .. أحدّقُ بالسقفِ بعينينِ فارغتين .. و عقلٍ فارغٍ تماماً .. إلا من تفاصيلِ الأمس .. و الأحاديث الأخيرة ..
نهضتُ بتكاسُلٍ و أنا أجرّ قدميّ و أخرجُ من غُرفتي .. ربّما آن لي أن أجلِسَ معهم أخيراً ..
حضّرتُ كوباً كبيراً من القهوةِ المُضافِ إليها بعض الحليب .. و كروسان شوكولاتة دسستُهُ بفمي لأُخرِسَ صوتَ الجوع الصادِرِ من بطني .. ربّما لا يبدو هذا تعبيراً لطيفاً .. لكنها الحقيقة .. لم أكنُ لآكلُ شيئاً لولا أننّي كنتُ جائعة جداً ..
اكتفيتُ بالعبثِ بالجوّالِ قليلاً .. حتى بدأت أمّي ” تسولف ” ، فنسيتُ – للحظةٍ – كل شيء ..
جلسنا نتحدّثُ و نضحك لساعات ..
انشغلت أمي بعدها بمكالمة هاتفيّة .. فـ عُدتُ لغِرفُتي .. و عادَ حُزني ..

لم أبكِ بعد ذلك ! .. لم أفعل شيئاً .. سوى أنني اخترتُ التوقّفُ هنا قليلاً .. من أجلِ الحزن ..
أعلمُ بأنّه يجب علينا ألاّ نتجاهله .. من حقّهِ أن يُباغِتنا هكذا ..
نحنُ لم نذهب إليه طوعاً منّا .. ولم نمشي إليهِ بأقدامِنا .. كما لو أنّ كآبةً ما أحاطت بنا .. لنشتهي الحُزنَ بأنفُسنا ..


” بعض الأشخاص ، حتى أحزانهم تجيء كما يشتهون ” *

هل جاء حُزني كما أشتهي ؟ هل شعرَ بأنّه يفتقِدُني .. هل اشتاقَ إليّ؟
هكذا جاء .. مُحمّلاً بالشوق .. مثلي تماماً !
هو إذاً يُشبِهُني ..
أتى كما أردتهُ أن يكون ..

” أتعلمين أيّ حزنٍ يبعثُ المطر ؟
و كيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر؟
و كيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع؟
بلا انتهاء ،
كالدمِ المُراقِ ، كالجياع
كالحبّ ، كالأطفال ، كالموتى ، هو المطر “ – بدر السيّاب .

مطر .. مطر .. سماءٌ تبكي ..
و عينٌ هُنا تبكي ..
المطرُ لم يأتِ بالحُزن ..
وحدي أنا الحزينة ..
وحدي أنا الغريبة ..

الثلاثاء ، 22 – نوفمبر – 2011

9:21 PM

__________________________________

* محمد حسن علوان – سقف الكفاية .

أضف تعليق