بحبِّ الصباح ..

أصبحنا و أصبح الملكُ لله و الحمدلله ، لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له ، لهُ الملك و لهُ الحمد وهو على كلّ شيءٍ قدير ..

اللهم بكَ أصبحنا و بك أمسينا و بك نحيا و بكَ نموت و إليك النشور ..

أحبّ اللحظات الأولى من الصباح .. ليس لأنّ البيت هادئٌ و حسب ..

بل لأنّهُ يولّدُ فيّ ذاك الشعور الجميل .. بحبّ الحياةِ رُغم كآبتِها و رتابتِها أحياناً ..

لأنّه يُشعِرُني بأنّي وُلدِتّ من جديد ..

بالمناسبة .. لو تفكّرنا قليلاً و تعمّقنا بمعاني أذكار الصباح .. لوجدنا جمالاً و راحةً .. و طمأنينةً بين تلك الكلماتِ التي نبدأُ بها يومنا و نختُمها بها .. أسألُ الله أن يُثبّتنا ..

اعتدتُ دائماً أن أفتح النافِذة قليلاً فقط .. لتتسرّب إليّ روح الصباح التي تحتفلُ بالخارج ..

نسيمٌ هادئ ، بارد ..

صوتُ العصافير يملأُ المكان ..

صوتُ الباب الذي يُغلق بالأسفل ، ثم بابُ سيّارةِ أبي ..

أصواتُ السيّارات في الحيّ .. هادئة جداً .. و مُهذّبة للحدّ الذي يُضفِي طقساً آخر من طقوسِ الصباحِ الرائعة!

أنصِتُ أكثر .. هُناك بيتٌ آخر يُبنى في الطرفِ المُقابِل لبيتِنا .. صوتُ العُمّالِ و طرقِهمُ الرتيب ..

أرفعُ رأسي من شاشة الكمبيوتر .. انعكاسُ أشعّة الشمس الباهِتة على مرآتي ، المتسرّبة إلى داخِل غُرفتي من فتحةِ النافِذة الصغيرة ..

نباتُ البامبو يلمعُ تحت ضوءِ الشمس .. و تلك الوردة التي اشتريتُها قبل أسبوع ، من المُفترِضُ أن تذبُل .. إلا أنّها لازالت جميلة و تُشارِكُني نفَسَ الصباحِ العليل ..

إخوتي التوأم الذين يستيقظون باكِراً في عُطلِ نهاياتِ الأسبوع ، صحيح أنّهم يُفسِدونَ طقس صباحي الحبيب و الهادئ هذا .. لكنُهم – رُغم ذلك – يُضيفونَ طقساً آخر ..

يعلو صوتُ التلفاز هُناك .. أطلبُ إليهم خفضهُ قليلاً .. ثم أعود .. ليعلو مُجدّداً ..

أُنذِرهم .. إلّم يُخفِضوا الصوت فلن يذهبوا معيَ إلى السوبرماركت القريب من حيّنا .. و لن أطلُب من والديّ بأن نخرُج الليلة إلى المكانِ الذي يُريدون ..

يخضعون أخيراً لكلامي .. و يُخفِضون الصوت .. يأتي أحدُهم : ” أسوم ، أنا جوعان .. مافيه فطور الحين؟” أقولُ له : ” اصبر شوي .. كلهم نايمين .. انتظر لمّا تقوم أمّي! ” ..

يأتي الآخر : ” أسّوم ترى والله جوعان .. خلاص خـ نحط الفطور أو الريوق ” بلهجتنا ” ” ..

أنهضُ و أضعُ الجهاز المحمول على السرير .. و أجهّز لهُما كوبينِ من الحليب و الكورن فليكس .. وبعضَ البيضِ و الخبز إن أرادا ..

أعودُ لغُرفتي من جديد .. تستيقِظُ أمّي و أختي الصغيرة – المنفوشِ شعرِها – بشكلٍ يدعو للضحِك .. و العينينِ لازالتا نصفُ مُغمضتين .. تسحبُ بتثاقلٍ قدميها الصغيرتين خلف أمّي ..

صوتُ أمّي و هي توقِظُ أُختايَ بالغُرفةِ المُجاوِرة ..

تصِلُ إلي غُرفتي .. لتجِدَني مُستيقِظة .. و في حضني هذا الشيء الجميل – اللاب توب – و الذي بالمناسبة تبغضُه كثيراً ..

وكم مرّةً هددّت بحرماني منه إلّم أنظّم وقتي جيّداً .. و ” أطلع من غرفتي .. و على قولة أبوي : ع الأقل نحس إن عندنا بنت اسمها أسومة! مو كذا ما كنّك معانا بالبيت ” ..

تقولُ لي : ” يا الله صباح خير .. من الصبح نت! اطلعي من غرفتك وتعالي الصالة .. خـ نشوف وش راح نسوّي اليوم ” ..

و بحركة تلقائية – و وجهٍ مُمتعِض – أغلقُ جهازي و أخرُج من الغرُفة ..

أجلِسُ معهم دون آن آكُلَ شيئاً ..

بعد ساعة تقريباً .. و بعد أن يُنهي الجميعَ فطورهم .. أذهبُ أعدّ قهوتي السوداء .. و قطعتي توست .. أدهنُ داخلِها بعض الجبن و أحمّصها قليلاً ..

أذهبُ لغرفتي و أعودُ إليهم حاملةً كتاباً أو مجلّةً قديمة وجدتُها على الرفّ .. أقلّبها بلا اهتمام ..

تستوقِفني الصورِ و كأنّي أراها للمرّة الأولى .. و أصرُخ : “وااااو تجنن الصورة .. شوفي هنودة وش رايك؟ مو حلوه إضاءتها .. ودّي أصوّر شي زي كذا! ”

ترد أختي ببرود : ” أسّوم ، أنتي ما تزهقين .. بسّك تصوير و خرابيط .. أنتي وش تستفيدين لمّا تصورين؟! ترى ماله داعي ” >> و للعلم هذهِ الأخت أصغر منّي بأربع سنوات!

كالعادة .. إحباط!

أجرّ نفسي ” الطفشانة منها ” و ألقي بها على السرير .. و أحدّقُ بسقفِ الغُرفةِ الصامِت .. أتمتمُ ببعضِ الكلمات ” الحلطمة ” دون فائدة ، و دون الحاجةِ أن أفهمَ كل كلمةٍ قُلتُها ..

لا أحد يستمِع لهذه ” الحلطمة ” المسكينة .. مصيرُها أن تضرِب عرض الحائط لتسقُط بالأسفل .. و تبقى هكذا مُهملةً .. ولا أحد يهتمّ .. حتى أنا! فما جدوى ” الحلطمة ” على كل حال!

ومع ذلك لا نستطيعُ الاستغناء عنها .. رغم أننا نعلمُ جيّداً بأنّه – ليس دائماً – توجدُ حلولٌ مُرضية لها ..

ينتهي الصباح .. تسلّطُ الظهيرةُ أشعّة شمسِها على أنحاءِ الغُرفة ..

يعودُ أبي من عملِه .. و هكذا .. تبدأُ طقوسٌ أخرى يومها ..

إلاّ أنهُ – ومع كثرةٍ الطقوس لديّ – يبقى طقسُ الصباحِ هذا .. الأحبّ و الأقرب إليّ ..

شكراً لله .. لأنني لازلتُ أعيشُ و أتنفّسُ هذا الصباح ..

شكراً لله .. لأنّي بخير .. و بخير جداً و الحمدلله ..

دمتم بخير .. و دامَت صباحاتكم ، جميلة و نقيّة كـ أرواحكم ..

كل الحُبّ ..

AM 9 :16

3 رأي حول “بحبِّ الصباح ..

  1. يا لعفويتك ..
    جميل ماكتبتِ
    من حسن حظي أنني أشاركك عشق الصباح
    متشوقه لصباحات الشتاء الباردة .. بها تتجمل طقوسي
    .. حفظك الله وعائلتك :)

اترك رداً على ذَهـْــلاء~ إلغاء الرد