حينما حلّ الصيفُ بردائِه الأزرقِ الباهِت وخيوطِهِ الدافئة القادمة من أشعّة الشمس الحارّةِ هُنا ..
هل كنتُ حينها آملُ بسعادةٍ بأنّهُ سيكونُ أفضل صيفٍ أقضيهِ برفقتكم .. كنتُ كذلك ..
حلمتُ بالكثير و الكثير مما سأفعلُه معكم ..
تمنيتُ لو أستطيعُ أن أثرثر معكم كما اعتدتُ قبلاً!
ولكن مالي أرى الصمت يقفُ حاجزاً بيني و بينكم .. كحائطٍ شامِخٍ يتباهى بعلوّه وصلابته!
هل سيقطعُ الصمتُ علاقاتِنا لتُصبِح باردة .. وجامدة ؟ لا حياة لأحاديثنا الصغيرة ولا لتفاصيلِ أيّامنِا التي نحكيها لبعضنا!
لم أتوقّع أبداً أن يتخلّى الناسُ عن بعضِهم بتلك السهولة!
قالت : أنتِ تتعلّقين بالمُحيطين و تُحبّينهم قبل أن تعرفي مشاعِرهم تجاهِكِ ..
قلت : أأغامِرُ كثيراً حينما أبوحُ بذلك؟ أكنتُ وقتها ضعيفة؟ هل كان يجبُ عليّ ألا أُفصِح عمّا بداخلي؟
قالت : تعلّمي الصمت .. كوني حذِرة .. دعي مساحةً تفصِلُكِ عنهم ..
قلت : أن أصمُت .. يعني أن أبوح أكثر وبشكلٍ فاضِح لاحقاً .. ذاك أن الصمت يزيدُني ألماً ..
فتتراكمُ أكوامٌ من الكلماتِ التي حبِستُها رُغماً عنّي .. لتصرُخ عالياً .. وبصوتٍ مُتقطّعٍ موجِع كصوتِ الألمِ حين المرض!
أتعرفين كيف يمرُضُ الألم؟ أسمعتِ يوماً كيف يبدو صُراخه؟
أنا لم أسمعهُ من قبل .. لو كنتُ سمِعتُه لأخبرتُكِ كيف كان بائساَ ويدعو للرثاءِ و الشفقة ..
أتُريدينني أن أصمُت .. لأصرُخ مثله؟
لا أريدُ أحداً أن يرثي لحالي .. يكفي رثائي لي!
قالت : لا ترمي اللوم على نفسِك .. أبعِدي أصابِع الاتّهامِ التي تواصلين توجيهها إليكِ ..
نحنُ بزمنٍ يطلبُ منّا التغافُل و التناسي .. و عدم توجيه اللوم لأيّ أحد ..
قلت : يقولون بأنّي أنانيّة؟ أحقّاً؟
يُمرِضُني التفكيرُ بنفسي بكوني أنانيّةً بعض الشيء! لا أُريُدني أن أكون أنانيةً كما يرون!
يقولون بأنّي باردة و لا أهتم ولا أُعيرُ أحداً أي انتباه و أنّي غيرُ مُبالية!
يُحبِطُني تفكيرُهم ونظرتُهم لي هكذا!
أبكي كثيراً حينما أسمُعهم يقولون ذلك .. وأموتُ بداخلي مليون ألف مرّة ..
يجرُحني قولُهم! والمصيبة أنّهُم أقربُ الناسِ إليّ!
لم أكُن يوماً شخصاً غامضاً أو شخصاً يصعُب عليهم فكّ شيفرةِ تصرّفاتي الغريبة كما يدّعون!
أحقّاً أبدو غريبةً بينهم؟!
أم أنّهم فجأة أصبحوا لا يفهموني؟ أم لأنّي بدأتُ لا أفهمُني مؤخّراً؟!
قالت : نحتاجُ أن نكون صريحين معنا يا أسماء! نحتاجُنا أن نلتفتَ لنا بعض الشيء ..
نحنُ بحاجة إلى جلسةِ علاجٍ مع ذاتِنا الموجوعةِ و الآخذةِ بالتآكلِ ..
اتّخذي موعداً مع نفسِك .. كوني لوحدِكِ و أنتِ فقط .. وصارِحي ذاتِك ..
اسأليها ما بالُها؟ وممّ تشكو؟
لمَ يعتري ملامِحُنا ذبولٌ شاحِبٌ نُخفيهِ أمام الناس .. لئلا يفضحوننا بأسئلتِهم! ذاك لأنّهُم اعتادوا علينا بشكلٍ واحد
وكأننا لسنا بشراً لنحزن و نبكي!
قلت : قلتِ ما أردتُ قولهُ منذُ زمن!
أتعلمين .. منذُ فترة قريبة .. سألتني إحدى العزيزاتِ جدّاً على قلبي، قالت لي : لمَ يغلبُ على كتاباتُكِ طابِعَ الحُزنِ أكثر؟
ما عهدتُكِ هكذا أبداً .. أعني لم أتصوّر يوماً أنّكِ تحملين كلّ هذا الحُزن!
أراكِ تُبالغين بالحُزن .. تُفرطين فيهِ كما لو أنّ كآبةً عبرتِك واستطونتكِ .. وكأنّكِ بتِّ مسكونةً باليأسِ و الوجع! ما الأمر؟
حينما سألتني .. صمتّ طويلاً ولم أجد ما أقولُهُ لها .. لكنّها واصلت الحديثَ قائلة : لمَ لا تكتُبين عنِ الفرح؟ ظننتُكِ تُجيدينهُ أكثر؟
قلتُ لها : ربّما لأنّكم اعتدتُم عليّ وأنا أبتسم و أضحكُ كثيراً .. ما أردتُ يوماً أن أُشغِلكُم بِحُزني وما يشتعلُ بصدري من ضيقٍ وهمٍ لا أقدِرُ أن أصِفهُ لكم!
فلجئتُ للكتابةِ علّها تُخفّف عنّي .. وهذا ما أشعُرُ بهِ بعدها!
و لأنّي حينما أفرح .. آتي إليكُم .. و أصرُخ و أقفزُ بسعادةٍ لأخبِرَكم بما أفرحني و أبهجني .. و قد أظلّ أتحدّثُ عنهُ ساعاتٍ و ساعات .. ولا أتوقّفُ عن الابتسامِ طوال الوقت!
عرفتم بأنّ فرحي يبدو صاخِباً و عالياً .. وصادقاً جداً .. لأني حينها أخبركم بكل شيء .. وكأنّي بذلك أكتُبُ بحروفٍ كبيرة و بارزة و بالخطِ العريضِ أيضاً!
أكتبُ عن الفرحِ بحضرتِكم .. لإيماني و ثقتي بأنّكم حتماً ستفرحون معي و لأجلي ..
وأكتبُ عن الحُزنِ بعيداً عنكم وقريباً منّي .. خشية أن أقلقكم أو أُحزِنكم ..
أنا من يجبُ عليه أن يتكفّل بُحزنِهِ لنفسِه .. أنا من يستحقّ كل ذلك!
أما أنتم! فماذا فعلتمُ لتتحمّلوني؟! أحبّ أن أراكُم بخيرٍ ولو بِدوني .. ولا حاجة أن أخبِرُكم بما يُثقِلُ كاهلي من هموم ..
كلّنا لديهِ همّ يؤرّقُه .. وكلّنا لديهِ من الحزنِ و الضيقِ بما الله بهِ عليم ..
وكلّنا رغم ذلك .. نبدو بخير .. ونعيشُ بخير .. ذاك أننا بشرٌ .. نحزنُ و نفرح!
نعلمُ أنّهُ بعد الحُزنِ .. ستُزهِرُ الأيّامُ فرحاً يوماً ما!
لأننا مؤمنون جداً بالله .. و لأننا كذلك .. يجدُرُ بنا ألاّ نيأس! فما خبرتُ المؤمِنَ يائساً أبداً، رغم ما يغلبُنا من ضيقٍ و أسى!
قالت بعد صمتٍ و إنصات : صدقتِ .. ربّما لأنّي لم أنظُر للأمورِ كما نظرتِ إليها هكذا!
جميلٌ أن أخبرتني بكل هذا!
قلتُ لها : شكراً لكِ .. فقد حملتِني على الحديثِ بهذا الشكل ..
و بصراحة .. لم أتحدّث مع أيّ أحدٍ عنّي منذُ زمن! شكراً لكِ كثيراً ..
و أغلقتُ سمّاعةَ الهاتِفِ وأنا مُرتاحة .. لا أدري! .. هل لأنّي بُحتُ أخيراً ببعضِ ما كان يُتعِبُني .. أم لحرصِها و سؤالِها عنّي!
أعترف .. سؤالُ الآخرين عنّا .. يُشعِلُ القلبَ و يحثّهُ على البوحِ دون أن نشعُر !
قالت : حسنٌ فعلَت حينما سألتكِ إذاً .. يبدو بأنّها هي الأخرى تُشبِهُنا ..
ابتسمتُ لها وقلت : ربّما! أصبحت تفهمُني كثيراً الآن .. ممتنة لله لوجودِها ..
لم ننتبِه بأنّنا تأخّرنا بالنوم .. و الفجرُ بدأ يبزُغ ..
استودعتني مُردّدة تُصبِحين على خير ..
أبتسمُ لها بملء قلبي .. و عيني توشِكُ على دمعٍ لا أملِكُ كيفية منعِه!
…
أجملُ الأحاديث هي تلك التي تأتي بسؤالٍ بسيط .. لا يغدو كونُه كيف الحال؟
أو أحياناً يبدأ بحديثٍ من الأخرى : أعاني مؤخراً من كذا .. فتقولُ الأخرى المُقابِلة لها : أتعرفين؟ وأنا كذلك ..
و دون أن ندري .. نسرُدُ لبعضِنا كل شيءٍ يجولُ بأنفِسُنا .. كُنّا قبلها صامتين .. ففجّر البوحُ حديثنا ..
هكذا نحنُ .. نزيدُ تشابُهاً بنا أكثر فأكثر ..
مُتشابهين رغم كل شيء!
أعجبتني حقًا !*