رسالةٌ لن تصِل ..

 

على الكرسيّ القابِعِ هُناك ..

بِقربِ مذياعٍ قديم .. يُذيعُ أُغنيتنا القديمة .. بـ لحنٍ حزين ..

في أقصى ذاك المكان .. عند الشرفةِ المُطلّة على شارِعنا .. ذو البيوتِ العتيقة ..

أتدّثرُ بالشالِ القُطنيّ الذي أهديتني إيّاهُ الخريفَ الماضي .. أتذكُر؟

كُنّا نختبئُ – ذات مساءٍ هادئ – في حديقةِ منزِلنا الخلفية، عند تلك الشجرةِ العجوز ..

نحفُرُ اسمينا عليها .. وكأننا بذلك نُخلّدُ أرواحنا الفانيةِ معاً ..

هبّ نسيمٌ ساكن، بعثر خصلاتِ شعري المموّجة .. وشرائطي الوردية ..

جلستُ أرجُفُ قليلاً، تغضبُ لأنّي لم أُحضِر معطفي الورديّ الباهِت، توبّخُني لأني لا أهتم بي جيّداً !

تُخرِجُ شالاً قُطنيّاً – بـ لونِ الزهرِ الذي أُحبّ -.

توشّحتُ بهِ وابتسمتُ بخجل .. وصوتٌ خافِت يُردّدُ شكراً ..

تجلسُ مُدّعياً عدم الاهتمام أو اللامُبالاة .. تُحدّقُ في السماء، تُصفّرُ بـ رُتمٍ حزين ..

كُنتَ دائماً ذاك الشخص الصامت،المتوحّد بنفسه ، الحزينِ تارةً، والمُدّعي الفرحَ تارةً أُخرى!

لا أدري .. أمرٌ ما يجعلُ فرحَكَ باهِتاً ! وكأنّك قليلاً ما تفرح !

أذكُر مرّةً سألتُك .. لمَ أنتَ حزين؟

تتكلّفُ الابتسام .. و تقول : لستُ حزيناً! هل أبدو كذلك؟

أرُد : نعم، طوال الوقت!

تقول: أوه، حقّاً؟ كيف ذلك؟

أقولُ : لا أدري! شيءٌ ما بِكَ يمنعُك من البوح، من البُكاءِ ولو سرّاً! من الاعترافِ بأنّك حزين .. 

أخشى عليك هذا الحُزن !

تصمُتُ فجأة .. ثم تقول : أعتقدُ بأنّ الوقت تأخّر قليلاً .. ثم تذهبُ بـ هدوء ..

و تتركني لحُزنٍ خلّفتهُ لي .. أحدّقُ في ظلّك الراحل ..

أبحثُ عن إجابةٍ لكل ما يحدث لك .. ولا شيء! لم أجد أيّ شيء!

 

هل الحُزنُ دائماً هكذا؟! لا يعرفُ الحديث؟ أو البكاء بصوتٍ عالٍ قليلاً؟!

للحزن تلك العادةُ البغيضة، يُجبرُ أصحابهُ على الرحيل – رغماً عنهم – يصنعُ هُروباً من لا شيء!

يُجبرِهم على صمتٍ ثقيل .. وبكاءٍ ساكن .. لا يعرفُ الصراخ أو الصخب ..

يحلّ الحُزنُ ضيفاً ثقيلاً .. يجثُمُ على أرواحِهم .. ويُصيبهم برصاصةٍ تخترقُ أفئدتهم .. و تُخرِسهم إلى الأبد!

 

بدأت خيوط أشعّةِ الشمس بالتسرّب شيئاً فـ شيئاً داخِل جفنيّ المُثقلين ..

المُتعبينِ بُكاءً – طوال الليلةِ الماضية -.

أتجهُ نحو نافذتي، أسحب ستائِرها البيضاء الباهِتة .. ألمحُ خيالاً يبدو كخيالِك تماماً ..

ألمحُ أحداً .. يبدو .. كأنت!

ألمحُك تتجهُ نحو سيّارةِ أخيك .. تحملُ حقيبتك و تدخل السيّارة و تُغلِقُ بابها بهدوء ..

هكذا! دونِ أيّ مُقدّماتٍ تُذكر .. دون وداعٍ و دون أيّ شيء .. ترحل!

و هل بعدُ رحيلِكَ هذا؟ عودة؟ بعد عامٍ أو أعوام؟ أو هل لنا من لقاءٍ في حلمٍ أو بعض أحلام؟

عُدتُ لفراشي و أنا أسحبُ جسدي المُنهك، المُتعبِ فقداً منذُ الآن !

عُدتُ لأغرق في كابوسٍ كئيب .. لا أدري متى سأفيقٌ منه ..

أنتظرُ أن يعود ذاك الطيف .. الذي اعتدتُ وجودهُ هُنا بالقُربِ دائماً ..

أنتظرُ عودة سرابٍ لا أصدقُ رحيله!

عُدتُ لحُزنٍ بعيدٍ أبغُضُه .. عُدتُ له بنفس الحيرة ..

بنفس الاضطراب المصاحب للحزنِ الذي يباغِتني على حينِ غفلةٍ و وحدة ..

 

حلّ الصيف .. ولم تعُد بعد!

أوه نعم، لم أقل لك بأني أنتظِرُك كل مساء .. على أملِ أن أرى ظلاً يحملك ..

ظلاً يُشبِهُك .. يرتدي حُلّة الفرحِ السعيدة – أتخيّلكَ تبدو وسيماً بها أكثر – .

أذهبُ أبحثُ عنك في أشيائي، أفتشُ في صندوقي الصغير، المخبأ تحتِ السرير ..

فأجدُ شريطاً قد سجّلنا فيهِ بعض أحاديثنا الصغيرة .. وبعضاً من أغانينا القديمة ..

أستمعُ لواحدةٍ منها، و أنصتُ أكثر ..

لأجدَ ضحكةً تسللّت من بين أصواتنا المُزعجةِ جداً .. 

كنّا صغاراً حينها .. 

تضحكُ بسخرية، صوتكِ ليس جيّداً .. دعيني أكملُ وحدي ..

وأنا أصرُخ .. ليست تلك أغنيتك وحدك – وندخلُ في شجارِ أطفالٍ .. أضحكني و أبكاني في نفس الوقت -،

ثم نعودُ نغنّي من جديد .. نُقلّدهم كيف يُغنّون .. ونكملُ باستمتاع ..

لم لا تعودُ الأيام كما كانت في السابق! لستُ أطلبُ أن تعود الأيامُ هي نفسها ..

بل ما كانت عليهِ أنفسنا وقتها .. ما كُنا عليهِ قبلاً!

لو تعودَ تلك الأيامُ ببرائتها .. و سعادتها الحالِمة ..

أين نحنُ الآن؟ وأين هُم؟ لن تعودَ ما دمنا وحدنا .. بدونهم ..

لن تعودَ بنفسِ الذكرى التي حملتها تلك الأيام ..  و حمّلتنا مسؤولية حِملِها على عاتقنا ..

فلا نحنُ نسيناها ولسنا نرضى نسيانها أبداً ..

كانت تلك رسالةً .. دسستُها بين الرسائل الباقية .. المُهملةِ هُناك ..

في ذلك الصندوق، ذو النقوشِ الوردية، والورود البيضاءِ الصغيرة ..

لازلتُ أعجبُ كيف لصندوقي ذاك أن يستوعبَ هذا الكمّ من الرسائل! أما ضاق بها ذرعاً؟

لمَ لم ينادي بحرقها؟ أو رميها بعيداً؟ فلا جدوى من الاحتفاظِ بها ..

لكأنّهُ يفهمني جيّداً .. كقلبي تماماً ..

أن تكتُب رسائل تعلمُ أنها لن تصل، رسائل تخاطبُهم .. وكأنّهم هُنا .. أكتبُ لُهم .. كـ عزاءٍ لي في وحدتي ..

تصحبني ذكرياتي حين يكتئبُ صباحي و يطولُ ليلي ..

فأجلسُ أقرؤها و أتأمّلها من جديد .. ثم أستودِعها إيّاهُ مرّة أخرى ..

وكأنّي بذلك أضعُ جزءاً من روحي داخل صندوقٍ لا حياة فيه، سوى أن الذكريات تملؤه ..

ليُصبِح شيئاً .. لهُ ماضٍ و ذكرى .. ولهُ أنا التي أودعتُها أيضاً ..

 

يسألوني: لم تتشبّثين دائماً بأطيافِ الراحلين؟ أحقّاً تنتظرين عودتهم؟ ألم تسأمي ذلك؟

فـ يعودُ صدى صمتي لهم .. كجوابٍ لتساؤلاتهم .. وتساؤلاتي أنا أيضاً!

هل سيعودون؟

بعد وهلةٍ فقط .. بدأتُ أعي الحقيقة أكثر ..

هي الحياة .. بقدرِ الراحلين الذين رحلوا ولم يعودوا .. بقدرِ مابها من عائدين جدد ..

هم عائدون .. ولو لم أكن أعرفهم ..

هم الآخرون عائدون .. أولئك الذين لا نعلمُ عنهم أيّ شيء!

أما زال في القلبِ متسعٌ لهم؟ أم أن الغائبين استطونوا القلوب ولم يتركوا مكاناً لأيّ عائدٍ أو صاحبٍ جديد؟

 

 أخشى أن يعودَ الراحلون يوماً .. بعد أن تأخرت خُطاهُم الثقيلة .. فلا نتعرّفُ عليهم ..

سأحرصُ ألا تفارقني صورتهمُ أبداً .. و سأظلُ أذكرهم و أنتظرهم ..

فلا العينُ تنساهم ولا القلبُ يحتملُ هجرَ ذكراهُم ..

 

عائدونَ أهلاً ..

أُفسحُ لهم مجالاً ليضعوا فيه أرواحهم و أشيائهم ..

ليحيا قلبي .. ليُصبحَ مسكوناً، مأهولاً بالحبِ من جديد ..

 

4 رأي حول “رسالةٌ لن تصِل ..

  1. نهاركِ سعيد عزيزتي =)

    تدوينة رائعة بحجم السماء ..
    أسلوبك أعجبني كثيراً،،

    كما أن فيها اقتباسات تحكي عن نفسي أيضاً!!

  2. علمتني الحياه لا اكتب رسال لا تصل لانها بكل بساطة ستكون مصدر لتعاستى
    سلمت يمينك يالقطتي الصغير
    انا متابعة لمدونتك لكن بصمت لكن لم استطع انا امر بصمت

اترك رداً على iNaHOoLa إلغاء الرد