خديجة وسوسن

لا أذكر متى كانت آخر مرة أتممتُ فيها قراءة رواية خلال أسبوع! وأسبوع بالحقيقة طويل على رواية كهذه، لكن هذا تحسّن ملحوظ ومؤشّر جيّد ومحفّز بالنسبة لي للعودة للقراءة؛ إذ كانت كمحاولة لاستعادة الّلياقة القرائية لديّ، والحمد لله يبدو بأني نجحتُ في ذلك! 

رواية بسيطة، قد تبدو للوهلة الأولى ذات فكرة مكرّرة نوعًا ما. أعتقد بنظري بأن رضوى هنا نجحت في تقمّص كلا الشخصيتين وسرد بعض الحكايا من رؤيتين مختلفتين لذات المشهد. كما أنّ لغة رضوى تحوّل أي أفكار أو أحداث ربما ليست جديدة إلى أخرى بطابع رقيق ولطيف وبأسلوب رشيق كعادة كتاباتها.

تنقسم الرواية إلى فصلين: الفصل الأول بلسان خديجة الأم والفصل الآخر الذي بدا كملحق – تمنيته لو كان أطول – بلسان سوسن الابنة.

وجدتني هنا وقد تمثلتُ في سوسن، إبنة متمردة بعين والدتها، أفرط والدها بدلالها وتركها لتكون كما تشاء وتفعل ما تشاء، كنت أقرأني في سوسن والتي – بزعمي – حملت الكثير من شخصية رضوى كذلك، لا تخشى التحدث بمشاعرها وأفكارها بصوتٍ عالٍ، رقيقة وأبيّة وعنيدة، تشترك مع والدتها في العناد والرقّة، تختلفان في التعبير عن حبهما ومشاعرهما، حملت خديجة تسلّط والدتها بدافع الحرص والحب لأبناءها بينما سوسن كانت نقيض ذلك.

“فلماذا عندما جرؤت على إعلان أنني سوسن ولستُ خديجة أسقطت أمي ذراعيها وأدارت عينيها وأنكرتني؟”

عن السؤال المُربِك المُلحّ في كل لقاء بينهما، تتساءل سوسن: “أليس هناك من طريقة لدرء تلك الوحشة التي تنتصب كالسلك الشائك بيننا؟” 

أحببت سوسن لا لشيء سوى أنها تذكرني بي، بعقلي الذي لا يهدأ، أسئلتي التي لا تنضب ولا تتوقف، بالطفلة التي لا تزال تُحسن الظنّ بالجميع رغم عقلها وعنادها إلّا أنّ قلبًا بداخلها كان يقبل على الحياة بإقبال الأطفال و تلقائيتهم، تسأل بانكسار:

“كيف يمكن للمرء أن يركض محمومًا في اتجاه إنسان ثم يعود يركض في الاتجاه المعاكس؟ وكيف يتحلّل الشيء البهيّ كوردة فيُثير في النفس التقزّز والنفور؟”

لطالما تفكرت وتساءلت كيف يتحوّل الصديق إلى غريب، بل أسوأ: إلى شخص تخشاه وتخافه وتنفر منه، لا تكرهه ولا تمقته ولا تحقد عليه، لا .. إنما شخص تتمنى ألّا تصادفه. كيف تخلعه من قلبك، وتزيل تلك المكانة، ذلك البيت الذي بنيته وعمّرته بروحك وسقيته بوقتك ومنحتهُ شعورًا – علمتَ لاحقًا – بأنه كان أكبر بكثير مما يستحقّ، وألبستهُ رداءً بدى أوسع ممّا ينبغي وأطول بكثير ممّا يجب. 

كيف لهذا البيت أن يُهدم! وإذ بفناء القلبِ يُمسي فارغًا عدا من بعض الطلل الشاهدة تظلّ تنخر أحيانًا في ذاكرتك بين الفينة والأخرى.

والأعجب والأغرب من ذلك، كيف تنسى؟ لا القصة ولا شخوصها، إنما ذلك الألم المختزن فيها، كيف تستمر الحياة ويمضي كل شيء وكأنّ شيئًا لم يكن؟

بل كان .. وإلّا لما كنتَ بهذه الصلابة، تمسح بأصابعك على ما اندمل من الجروح، لا ألم، ولا عبْرةٌ تخترق القلب، لا شيء! مشهدٌ في الذاكرة بأحداث ضبابية تبدو أحيانًا لآخرين، كيف حدث هذا؟ رحمة الله كانت فوق كل شيء.

تُعبّر سوسن عن شعور الغربة بعد الألفة وهي تتحدّث عن أختها زينب: 

“ضبطتُ نفسي أنظر إليها نظرة الغريب إلى الغريب. كيف بدأ الأمر؟ كيف تراكم؟ وهل الاختلاف يأتي بالوحشة؟ وما الذي يُباعد بين مجرى ومجرى؟”

يقولُ الرافعي قولًا لطالما استحضرته:

“وأنزَلتهُ من درجة أنه كل الناس إلى منزلة أنه ككلّ الناس، ونبّهَت حزمها وعزيمتها وكبرياءها، فرأتهُ بعد ذلك أهونَ على نفسها من أن يكونَ سببًا لشقاءٍ أو حسرةٍ أو همّ.”

خِتامًا..

 لا أملك سوى القول بأني أحب رضوى! أحبها وهي تكتب خديجة .. كيف كوّنت شخصية خديجة وكيف كتبت بلسان خديجة وشخصيتها المغايرة تمامًا عن رضوى! كيف تبنّت هذه الشخصية واستطاعت الحديث بلسانها بل والتفكير بعقليتها ونظرتها، ثم انتقلت للحديث بلسان سوسن .. بعمق شخصية سوسن، وبروحها وبأفكارها والتي – حتمًا – وضعت الكثير من شخصيتها فيها.

دائمًا ما كنتُ أفكر في كيفية كتابة رواية بشخصيات مختلفة ومتباينة هكذا، وكم يحتاج الكاتب من فهم وإدراك للشخصيات واختلافها. 

الكتابة كفعل شيء، ومعرفة الشخصيات والقدرة على تحليلها وتكوينها وصنعها شيء آخر تمامًا. 

رحِم الله رضوى.

أضف تعليق