”وتذهبين مطمئنة“

يعلو الضجيج بالخارج، والباب لا ينفك يُفتح كل بضعة دقائق، الكل مشغولٌ في نفسه وبمن يشاركهُ الطاولة، صوتُ آلات القهوة يتخلّلها صوت الأطباق والأكواب، ومن بعيد جدًا صوت موسيقى هادئة تطرقُ قلبها طرقًا خفيفًا لا تستطيع تجاهله، وضوءٌ أصفرٌ خافت يُضفي على المكان سِحرًا خاصًا وحميميةً دافئة.

جلسَت بالقرب من النافذة المُطلة على البحيرة، وآخر نسماتِ الشتاء تلامسُ وجهها، أعمدة الإنارة الصفراء ممتدة على امتداد الممشى المُحيط بالبحيرة، تنتقل عينيها بين الهدوء الذي يعمّ المساء خارج المقهى وبين الضجيج الذي يصدح داخل المقهى وخارج رأسها. بين يديها كتابٌ تقتربُ من الانتهاء من قراءته، تُطل برأسها كل بضعة دقائق نحو النافذة وكأنها بانتظار رؤيةِ وجهٍ تعرفه.

هناك لحظة وذكرى تشدها إليها كل تلك الأصوات. هي ليست وحدها ولم تكن يومًا وحدها؛ إذ لطالما كانت بصحبة عالمها الخاص مؤنسًا ورفيقًا لها، لا تعرف ما يعني الملل أو ماذا تعني الوحدة.

قالوا عنها حالمة، وتعيش في عالم وردي لا يمتّ لعالمهم بصِلة. لم تكترث لما يُقال إذ كانت مُخيّلتها تنقذها دائمًا، تجلب لها الصور والمشاهد متى ما احتاجت لها، ولا تكتفي بذلك فقط، بل تُبحر معها إلى وجهة أعمق بكثير، عميقًا إلى نفسها، تُحلّل وتربط محاولةً فهم ما يجري حولها كلما استعصى عليها فهمُ أمرٍ ما.

بعيدًا، في زاويةٍ أخرى، يبدو منعزلًا وفي منأى عن كل الضجيج والحياة التي تجري حوله، نهضَ ليطلب كوب قهوةٍ آخر، وفي عودته لمقعده انتبه لها، لثانيتين فقط ثم جلس. تساءل في سرّه: أتُراها هي؟

لوهلة أضاءت ذاكرته مستحضرةً كل ذكرى وكل مشهد لم يكن فيه وحده، بل كانت هيَ بكل حضورها شاهدةً عليه. كان يعلم بأنّ ما تقدمهُ له لم يكن اهتمامًا بل كانت تلك طبيعتها، كاد الفضولُ يقتله وهو يسأل كيف يكون اهتمامها إذًا؟ وذاك ما لم ينَله.

همّت بالخروج وفي طريقها نحو الباب لمحته، لم تكن بحاجة إلى وقتٍ طويل لتدرك بأنه نفسه هو، كان أكبر بكثير عمّا كان عليه، انتشرت الشعرات البيض بشكل أكبر وأوضح، للحظة ودّت لو تعودُ لمقعدها وتنتظر، هل سيقترب للسلام عليها إن رآها؟ وفي ذات الوقت كانت تودّ أيضًا أن تقرأ ملامحه أكثر، وفي قلبها يتردّد سؤالٌ يتيم: ما الذي تغيّر؟ يُجيبُ قلبها لها: هل تغيّر؟ لكنها اختارت المُضي متجاهلةً كل هذه النداءات.

تذكر جيّدًا سؤالهُ لها في ليلة ربيعٍ نديّة، جفَلَت لا صدمةً إنما دهشةً منه، لأمورٍ عدّة لكن أهمها بأنه كان أشجع من خيالها حين فعلها، هكذا ظنّت أم كان أكثر تهوّرًا؟ لا بل ثقةً و شجاعةً.

رفعَ رأسه حين سمع صوت الباب يُغلق، كانت هي. جدّدت مغادرتها أثرَ غيابها عليه؛ إذ كان غيابها حضورًا، لم تغادر قطّ. لطالما كانت حاضرة.

الهواء بالخارج عليلٌ جدًا، تفكر في قراءة رواية تعيش معها هذه الأجواء تحديدًا، أن تقرأ فيها كل هذه المشاهد، ألّا يموت هذا الشعور، وأن يكون كثيفًا حيًا ما دامت هي حيّة، تقول في داخلها: هل بالغت؟ لكن ما السرّ في هذا المكان؟ في هذا التوقيت من السنة وفي هذه الأصوات والإنارة الصفراء الخافتة؟ هي لحظات بسيطة لكنها تنتشلها في كل مرة حين تشعر فيها بالرغبة في الرفقة. وكأنها تسحب المقعد الذي ظلّ خاليًا أمامها لفترة طويلة وتشغله في كل تلك المرات.

تمشي بهدوء وببطء، على غير العادة، ورأسها للأعلى، على غير العادة، تُحكِمُ لفّ الشال الخفيف على كتفها وتواصل المشي، تُحدّق في نقطة غير مرئية أمامها، هي لا تعيش هذه اللحظة فقط، هي تعيش العديد من اللحظات التي ارتبطت لديها بهذه اللحظة، هي سلسلة ممتدة من اللحظات الدافئة.

أدركَت أخيرًا نعمة الذاكرة، ونعمة أن يحبّ الإنسان نفسه، وأن يسأل الله دائمًا الحكمة، تذكرَت كيف ومتى تُفلت الأشياء وألّا تنتظر.

أضف تعليق