ما أتحدث عنه حين أتحدث عن موراكامي

في مرحلةٍ ما، تشعر بأنه يتوجّب عليك الآن وفي هذه اللحظة أن تتوقف عن الهرب، هكذا ببساطة. الكلام يبدو سهلًا جدًا أعلم، لكن لا تستهِن حتى بالحديث عن اعترافك هذا.

يقول شكسبير: ”أكون أو لا أكون، تلك هي المسألة“ ويسأل موراكامي: ”ماذا عساي أكون إن لم أسعَ إلى أيّ شيء؟“

تنتابني الآن رغبة قوية في أن أتوقف عن المواجهة وأعود للهرب من جديد، تتعارك هذه الرغبة في ذات الوقت مع رغبتي بل وحاجتي للكتابة، يقول لي صوتٌ داخليّ: احترسي فطريقكِ طويلٌ ومظلم. يسيرُ ظلي خلفي وأنا أودّعُ آخر عمودِ إنارة ليذكرني بأنّ العودة لا تزالُ متاحة، أختارُ المُضيّ قُدُمًا، فيختفي ظلي. ويعلو السكون أكثر، يتسرّبُ شعورٌ يشبه الخوف، ورغم ذلك أواصلُ طريقي نحو المجهول تمامًا.

في وقتٍ كهذا أحتاج من يسألني سؤالًا مدوّيًا، سؤالًا يستفزّني، يوقظني، يهزّني من كتفي، يفتح نافذةً جديدة ويسمح لتيّار هواءٍ جديد أن يُنعِش ماهو غافٍ وساكن.

يقول موراكامي: ”غير أنّ الوقت الذي ننفقه من دون أن نفعل شيئًا لا يقلّ أهميّة.“ بدأت بقراءة (مهنتي هي الرواية) لهاروكي موراكامي قبيل رمضان بفترة وتوقفت عن قراءته في مطلع رمضان حتى عدتُ هذه الليلة لاستكمال القراءة. هناك ما يستفزني في موراكامي وهو حديثه عن الكتابة وكأنها فعل بسيط وسلس جدًا، وإن كانت عملية طويلة فعلًا إلا أنها معقّدة وصعبة، في كل مراحلها، ما قبل الكتابة هي الأصعب، كفترة مخاض طويلة، مؤلمة وشاقة، وكل شعور متزايد بالألم هو إنذار ولادة كاذب، إذ أعتقد حينها بأنّ موعد الكتابة قد اقترب إلا أنه يبتعد مجدّدًا، وهكذا.

تشبه الكتابة بالنسبة لي الولادة، إذ لا تخلو مرحلة الكتابة من مصاعب؛ في البدء، تصاحبني الرغبة العارمة في البوح، نلتقي أنا وأفكاري وجهًا لوجه، يصرخ عقلي كل بضعة أسطر يشككني ويسألني: هل أنتِ متأكدة مما تنوين قوله هنا؟ أمسح وأُعيد الصياغة، أكتب وأكتب ثم أحذف ما كتبت، ثم أستسلم مجدّدًا وأكتب كما يُملي عليّ قلبي، متجاهلةً استجداءات عقلي الذي لا ينفكّ يوقفني، يشدّني إلى العتمة وأنا التي أُنشِدُ النور والوضوح.

لم يكن هدفي من الكتابة الآن الحديث عن موراكامي فأنا لم أنتهي من قراءة الكتاب بعد، كما أني مُحرجة حتى من الانخراط في نقاشات مجتمع نبِرة لأصدقكم القول، إذ كان من المفترض أن أبدأ برواية المنفلوطي (الفضيلة) مع المجموعة لكن للأسف تأخرت جدًا عن المنهج، وهي رواية قرأتها في الجامعة وأرغب في إعادة قراءتها من جديد.

على أيّ حال، علّ هذه التدوينة التي سأشاركها معهم تشفع لي قليلًا.

هناك ما أحبه في أسلوب موراكامي وهو البساطة في الطرح واللغة، استرساله لطيف كما لو أنه يخاطب أصدقاء قدامى، قرأت له سابقًا كتابًا يتحدث فيه عن الجري، تلك كانت مصافحتي الأولى له وأحببتُه منذُ الكتاب الأوّل، ثم قرأت بعدهُ (كافكا على الشاطئ) رواية أقل ما يقال عنها بأنها غريبة ومختلفة، كتبت مراجعة قصيرة عنها في تطبيق نديم و Goodreads.

مجدّدًا، ما حملني على الكتابة هذه الليلة هي رغبتي في أن أكتب أي شيء، أو ربما لأُثبت لموراكامي فعلًا بأنّ الوقت الذي -نظن- بأننا لا نفعل فيه شيئًا لا يقلّ حقيقةً أهميةً عن كل الأوقات التي كنا نفعل فيها كل شيء، وهو بالفعل ما يصف حالي هذه الأيام. لا أقول بأنها مرحلة تعتريها حالة من السكون أو الهدوء، بل العكس، ربما هي من أكثر الأوقات انشغالًا وأعلاها ضجيجًا، للحدّ الذي يُشعرني بأن اللحظة هذه الآن هي لحظة ثمينة للغاية، تلك التي أواجهُ فيها شاشةً بيضاء أطبعُ فيها بضع كلماتٍ أصفّها علّها تُفلحُ في إنعاشِ ما تبقى لديّ من لياقة كتابية.

منذُ عامٍ تقريبًا، كانت عودتي الحقيقية للكتابة، استبشرتُ خيرًا كثيرًا حينها إذ بدأتُ الكتابة بروح مختلفة ونمط مختلف أيضًا، كما أني عقدتُ النية في بداية ذلك العام تحديدًا في منتصف فبراير وقبل رمضان بأسابيع تقريبًا بأنه سيكونُ عامًا مختلفًا بنفسٍ متجدّدة، وذاك فعلًا ما حصل.

لستُ ممّن يندم على شيء الحمدلله، ولا أغضب ولا أحزن من فوات الأشياء، ولا فوات الطريق الصحيح أو فوات الطرق المختصرة القصيرة، بل أحتفي بكل تجربة سعيدة أو تعيسة، ويا الله، يا الله كم نكبر قدرًا ووعيًا بل ونزدهر حين نتعلم كيف ننظر لها بيقين مطلَق بأنّ ما أصابنا لم يكن ليُخطئنا وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، كان عامًا حافلاً بتجارب عديدة وجديدة تمامًا، تذكرت موراكامي وهو ينتقدُ قول ريموند كارفر حين قال: ”ليتني قضيتُ وقتًا أطول“ يقصد فيها ليتجنّب بعض الأخطاء في الكتابة أو ليحسّن كتاباته، فعقّب موراكامي في كتابه ردًا على قول ريموند فقال: ”وإن كان هناك قصورٌ في كتاباتي، فهو نتاج نقائصي أنا في المرحلة التي كتبتها فيها، لا أكثر. الأمر مؤسفٌ طبعًا، لكنه لا يدعو إلى الشعور بالخزي. يمكن للمرء أن يتدارك نقائصه بالجدّ والاجتهاد، أما الفرصة المهدرة فلا تعود مرةً أخرى أبدًا.“

يظهر هنا لماذا أحببت موراكامي، صح؟ نتشابه ونتقاطع في تفاصيل عديدة وفي نظرته لبعض الأمور في الحياة، وهذا ما يذكرني في دهشتي حين أقابل من يُشعرني بأني واضحة ومفهومة ولستُ بكاملة أو مثالية وإن كنتُ ممّن يسعى لها دائمًا، وفي هذا يقول موراكامي: ”كم تمنيتُ لو أنّ باستطاعتي أن أستنسخ عدّة أشخاص مني!“. وهي أمنية قديمة كنتُ أردّدها كثيرًا في صِباي ولم أفتأ أفكر بها أو في مقابلة من يشبهني، وبالحقيقة أستطيعُ القول بأني حظيتُ الحمدلله بهذه الفرصة، فرصة أن ألتقي وأتعرّف على شخصيات تشبهني زادتني معرفةً وقربًا من نفسي أكثر، بل وحبًا لها أيضًا.

”ولذلك إذا ظللتَ تتحسّر على افتقار المادة التي تحتاج إليها للكتابة، فأنت إنما تستسلم بسهولةٍ بالغة. فإن بدّلتَ تركيزك شيئًا قليلًا، وعدّلت طريقة تفكيرك قليلًا، سوف تكتشف كنوزًا قريبة منك، تنتظر من يلتقطها ويستخدمها. ما عليك إلّا أن تبحث فقط.“

ما يُميّز هذه العبارة بأننا نستطيع إسقاطها على كل شيء تقريبًا، ليس فقط بما يتعلّق بالكتابة؛ بل وحتى في كيفية رؤيتنا تجاه أمور عديدة في حياتنا، في اختياراتنا وتحديد رغباتنا، وفي مشاعرنا كذلك.

قد يبدو للوهلة الأولى حديث موراكامي تنظيرًا مثاليًا لا يخلو من المبالغة لمن هو مُفرطٌ في السلبية، وشخصيًا أواجه صعوبة فعلًا في التعامل مع هذه الفئة تحديدًا، أعني السلبيون وأجدني أتحوّل لدور المنقذ على الفور حتى تعلمتُ أن أتوقف عن لعب دور البطولة ومحاولة انتشال من لا يودّ إصلاح نفسه من الأساس.

هذه التدوينة ماهي إلا بمثابة تمرين أحاول فيه استعادة لياقتي في الكتابة بل وحتى اختبارًا لرغبتي في البوح والمشاركة، إذ كلما طالت مدة الصمت بالنسبة لي كانت العودة للكتابة أثقل وأصعب، وبالتالي اعتيادي على عدم المشاركة رغم ما يشعرني به هذا الكتمان من اختناق مرهق ومتعب جدًا. فما كان لي سوى الحديث عن موراكامي، فهل أنقذني هنا؟

أضف تعليق