”فإن اختفت الكلمات، ما الذي سيحدث؟“

انتهيتُ البارحة من ”شرطة الذاكرة“، تمامًا قبل مناقشتها بدقائق معدودة. أثناء مناقشة الرواية في النادي، انقسمَ القرّاء في تحليلهم ورؤيتهم لها ما بين من يرى فيها رمزيةً مكثفة في معظم عناصرها وأبطالها، وما بين من يراها قصة فقط وإن تضمّنت بعض الرمزية، خلال قراءتي للرواية وبعد أن فرغتُ منها كذلك وجدتني أميل مع الفريق الآخر. 

لم أرغب في أن أُحمّلها أكثر مما تحتمل، لكني لم أستطع أن أُجرّد دور السيد ر في القصة من كونه رمزًا لصوت المقاومة لدى البطلة، رغبتها في مقاومة هذا السيل والانجراف العارم في فقدها للذكريات، تمسكها به كما لو كانت تتمسّك بخيوط الذاكرة لا تودّ أن تفلتها، لكنها تفقدها رغمًا عنها، يمثل بالنسبة لها ذكرياتها التي تحب، أحبّته كما تحبّ ذكرياتها بالفعل.

الكتابة فعل مقاومة، استنادها عليها وعليه كمثل استنادها على جدار أو شجرة عملاقة، تتصدّى به وبالكتابة كل ما تتعرّض له ذاكرتها من اقتلاع للذكريات وتلاشي أثرها.

سألت البطلة السيد ر مرة: ”أيّ إحساسٍ هو ألّا يفقد المرءُ شيئًا ممّا في قلبه؟“

”ألا تعصر تلك الأشياء القلب حتى يخنقنا الضيق؟“

 فأجابها:

”كلا، لا ينبغي أن تقلقي بهذا الشأن. ليس للقلب حد ولا قرار. لذا يستطيع أن يقبل أي شكل، فينزله إلى عمقٍ لا قرار له. الأمر أشبه بالذكريات..“ 

وظلّت تسأله حتى قال لها أخيرًا:

”ذكرياتي لا تتبدّد تمامًا، كأنما اجتُثّت من أصلها، فحتى وإن بدت أنها اندثرت إلا أنّ بقيّةً مُبهمةً منها تظلّ في مكانٍ ما. إنها مثل تلك البذور الخفيّة التي قد يحدث أن يهطل عليها المطر فتنبت من جديد. ثم، حتى وإن غابت الذكريات، فإنّ شيئًا منها يظل حاضرًا في القلب. رجفة، أو ألم، أو فرحة، أو دمعة.“

تترك تلك الاختفاءات ثقوبًا وفجوات في القلب وفي الذاكرة كما عبّرت البطلة، تصبح الذاكرة كالاسفنج تطفو على السطح، ويصبح من السهل انجرافها مع طوفان الاختفاءات وأضعف من أن تُقاوم.

تُقتلع الذكريات من الذاكرة مع كل اختفاء ويُفقد أثرها في القلب، وتنقطع تلك الجذور التي تربط بين كلٍ منهم، تنظر للشيء فلا تتذكر اسمه ولا وظيفته ولا معناه.

هذا النسيان الذي يجرف معه كل شيء، واستسلام المجتمع والإذعان المطلق كان يبعث فيّ القهر والغضب طوال قراءتي للرواية. ديستوبيا مرعبة!

تضمين الكاتبة لرواية البطلة بداخل هذه الرواية قد يبدو للوهلة الأولى بأنه حشوٌ فائضٌ ليس إلا، إلا أنني أدركت في الأخير بأنّ استمرار البطلة في الكتابة وإظهارها لنا هذه الفصول ما هو إلا تأكيد لمحاولاتها في مقاومة الاجتثاث السائد، قد تكون إضافة ليست بتلك الأهمية إلّا أنّ المفارقة في قصة بطلة الرواية وبطلة القصة التي بداخلها وارتباطهما ببعض في بعض النواحي من المحتمل أن يحمل رسالةً ما.

 بدأت الصدمات تتوالى كلما اقتربت الرواية من النهاية، حيث الاختفاءات الخطيرة، وشعور البطلة بعدها بالعجز، وربما في هذه الفقرة تحديدًا تمثّلت أمامي رمزية الزهايمر واضحة؛ أن تفقد ذاتك، ما تعرّف به نفسك، أن تقرأ الكلمة حرفًا حرفًا ولا تفهم، أن تقرأ ما خطّتهُ يداك وما أفرغتهُ من قلبك وعقلك دون أن تشعر بشيء ناحيته، أن تنسى كيفيّة التعبير، وأن تهرب منك الكلمات تباعًا. أن تمدّ يديك محاولًا التقاطها لكن لا فائدة، كيف وذاكرتك قد خانتك بالفعل، وتنصّلت منك.

يذوي هذا الجسد، تتلاشى معرفتك في وظيفة كل عضو لديك، تفقد صوتك، وتموت ببطء. 

انتهت الرواية كما يحقّ لها أن تنتهي؛ وقد يختلف الكثير ربما معي هنا، لكني – شخصيًا – أُفضّل النهايات المفتوحة؛ إذ أنها لا تمثل بالنسبة لي نقصًا في الحكاية، بل امتدادٌ لها داخلنا. هي مساحةٌ نكمل فيها السرد، ونسعى فيها لالتقاط خيوطٍ تضيء المعنى الذي يلائم تجربتنا. فالأدب لا يحسم، ولا يقدّم الحقيقة جاهزة؛ إنه يثير الأسئلة، يضعها بين أيدينا كشرارة، ويترك لنا مهمة توليد النار أو إخمادها.

وهكذا يظل أثر الأدب فينا حيًا، لأنه لا يوجّهنا بقدر ما يحرّك فضولنا، ولا يمنحنا اليقين بقدر ما يعلّمنا كيف نفتّش عنه.

أضف تعليق