الخيط الأبيض

كانت عينهُ مُعلّقة على فكرة بعيدة، متناهية بالصغر لم يُلقِ لها بالًا، فكرة انبثقت من خياله، يُهملها أيامًا بل وشهورًا ربما، يتشاغلُ مُتعلّلًا ببلاهة الفكرة علّهُ ينساها. حين تُظلِمُ لياليه يركضُ بحثًا عنها، يُنبّشُ بكلتا يديه، يُزيحُ كل ما تراكم فوقها وكل ما كان يضعهُ حولها في الأيام التي لم يكن يرغبُ في أن تلتقطها عيناه، لكن هي تلك الأشياء التي مهما أخفاها، تظلّ قابعة في داخله، قد ضربت بجذورها عميقًا فيه، عبثًا يتعامى عنها، عبثًا يتجاهلها، وعبثًا يُنكِرها.

كنجمة بعيدة تلمعُ في سمائه، كانت تبدو أبعد بكثير لتكون حقيقة، وفي ليالٍ أخرى كانت قريبة يكادُ يُقسِمُ بأنهُ لو مدّ يدهُ نحوها لأمسكها.

في لحظةِ صفاءٍ قرّر أن يلتقطها. في تلك الليلة لم يستطع النوم، كانت الفكرة لوحدها تؤرّقه، تقلّب مئة مرّة في فِراشه، يتخيّل يدهُ الممدودة نحوها، يتخيّل ذاك الضوء الذي كان يُراقبه لساعاتٍ طويلة، وليالٍ عديدة، الفكرة أصعب من أن يُصدّقها، حتى أتت تلك الساعة، استجمع كل شجاعته وكل خليّة في جسمه محاولًا فيها التقاط تلك النجمة.

مدّ يده، أصابعهُ ترتعش، أعادها مُجدّدًا نحوه، مدّها من جديد إليها، يشعرُ بتوهّجها منعكسًا على وجهه، ساخنًا مُلتهِبًا، يمدّها أكثر، وإذ شعر بأنه لمسها أخيرًا، لم يعلم إن كان يحلم أم أنّ ما يشعر به هو الحقيقة فعلًا، لم ينتبه للوقت، لم ينتبه للّحظة وهي تمرّ، حتى انتزع يدهُ عنها بصعوبة حين تصاعد ذلك الألم من يده مُخترقًا جسده، احترقت يده، لم يشعرُ بأوّل الأمر بألم الحرق؛ ذلك الضوء المنبعثُ منها أسكتَ كل الآلام، وأخمدَ كل الحرائق قبلها، حتى بقيت هي وحدها تحترقُ في يده وقد خلّفت بعدها أثرًا واضحًا لا يزول، كان يتأملُ يده دون ندم، ودون أيّ رغبة في أن يُمحى هذا الأثر، كان أثرها بمثابة سلوى له، على الأقل جرّب الاقتراب منها، هكذا كان يواسي نفسه.

الوقت كفيلٌ بكل شيء، كان يُنكر ذلك، مهما حاولوا تذكيره بهذا إلا أنّه لم يكن ليتخيّل حينها بأنّ ألمهُ سيتلاشى وإن بقيَ الأثر. كان انكسارًا لم يتجرّع ما يُشبههُ من قبل. كيف تُمنّي النفس حتى ترى ما الخيالُ صوّرهُ وأبداهُ لها ثم ما تلبث تلك الصورة أن تتحطّم أمامها، كان يرى كل المشاهد التي حفظها عن ظهر قلب وهي تتداعى، تسقط، ويسقطُ معها كل حلم وكل أمل كان قد تشبّث فيه رغم استحالته.

الوقت كفيلٌ بكل شيء، بدأ يُصدّقُ ذلك الآن، لم يكن لُيسلّم بهذه الحقيقة بسهولة، إلا أنّه ذات ليلة، والفجرُ على الأبواب، كانت نافذةُ القلبِ مُشرعة من جديد، وهواءُ تشرين يعبثُ بالستائر، ترك الهواء ينقلُ له أولى نسمات البرد، ثم ما لبث أن خرج مستقبلًا الفجر، تأمّل السماء وقد لمعَ فيها ما يقطعُ الشكّ باليقين، كان يُراقبُ انقشاع الظلام، ورأى في الأفق ذلك الخيط الرقيق الفاصل، ذلك الفجر الصادق، خيطٌ أبيضٌ لاح، واضحًا وجليًا.

من بعيد، ومن بعيدٍ جدًا، يتناهى إلى سمعه صوت محمد عبدالباري وهو يقول:

“أمضي، وصوتٌ من الأعراف يجلدني

كابِدْ، وفتّش عن الأسرار وائتلقِ”

عيناهُ لا زالتا مُعلّقتين على الخيط الأبيض، يدعوهُ لأن يُمسِك عن كل ما يشتته، عن كل أمرٍ لا تهنأ بهِ نفسه أو لا تستطيب به، وعن كل ما لا يتركُ أثرًا رقيقًا وحسنًا في روحه، تحسّس يده، لا ألم، لا شيء، إلا أنّ الأثر موجود. ابتسمَ أخيرًا، لا يعلمُ لمَ ارتسمت تلك الابتسامة على وجهه، وكيف أصبح هذا الأثر مؤنسًا له.

يعودُ صوتُ عبدالباري من جديد باعثًا شجنًا عميقًا، مُخلّفًا في نفسه أسئلةً وأحاجي:

“شكرًا لبوّابةٍ في القلب تُدخلني

غار السؤال لألقى ما النبيُ لقي

(متى وكيف وهل) هذي التي نزلت

عليّ، لو نزلت بالطور لم يُطقِ

هل البلادُ هي المنفى؟ فكيف إذًا

يستوطنُ الغيم -بعد البحر- في الأُفقِ؟

وأين يا أوّل الأشياء آخرُها

لنُمسِك الخيط بين الفجر والشفقِ

وكيف تلبسنا أسماؤنا؟

ومتى نُعرّفُ الوردَ دون اللونِ والعبقِ”

ربما، وربما فقط لمحها في الفجر الصادق، هكذا يظنّ، قلبهُ يُبصِرُها كما لو أنهُ يراها رأيَ العين، تبتسمُ إليهِ بدورها أيضًا، ظلّت ساهرةً في ليلتهِ هذه، فكانت آخر نجمةٍ ترحل وقد امتزجَ لمعانها بلمعان الخيط الأبيض، سرياليّة اللحظة جعلتها كما لو كانت حُلُمًا، لكنها كانت صادقة تمامًا، ثقتهُ برؤيتها كانت كافية.

أضف تعليق