
بالأمس كنا في اجتماع عمل وخلال الاجتماع -الذي كان حول الكتابة والأدب- كل واحدة منّا كانت تتحدّث عن بدايتها في الكتابة وكيف أصبحنا مولعات بالأدب وكيف كانت خطواتنا الأولى نحو التعبير بالكتابة، فما كان مني إلا أن أذكر هذه التدوينة التي كتبتها منذ ثلاثة أعوام، قلت بأني أحبها ليس من أجل رضوى فقط وإن كانت سببًا كفيلًا لمحبتي وتفضيلي لها عن سواها من التدوينات، إنما لحظة كتابتي لها، عن كل لحظة صمت وقفت فيها أفكر وأربط التفاصيل ببعضها، وما دفعني الآن للكتابة عن رضوى من جديد هو مشاركة إحدى الحسابات على منصة X اليوم -مصادفةً- لهذه التدوينة!
فرجعت بعدها إلى قصيدة مريد وأنا أستمعُ إليه مرّة ثم مرّة ثم مرّة وهو واقفٌ يُنشد:
“ألا يا ظبيةً شردت وراء البحر ..
إني طفلكِ الراعي ..
وأنتِ الأفق أمشي نحوكِ، اقتربي ..
فخرفاني الصغيرة، أسطري، شعري .. نأت عني
ولست أنا بصيادٍ لأفزع ظبيةً شردت
إني والقمر الراعي والنجمةِ نسيرُ إليكِ الليلة ..
وأنا والقمر الراعي والنجمات تعبنا و نعسنا ..
هل تأتين؟”
عن كل صورة جمالية تحملها قصيدة رضوى، عن رضوى في عين مريد وقلب مريد، عن المعاني العميقة التي تحملها قصيدته التي عنونها بإسمها، كل معنى فيها هو معنى للحياة، رضوى كانت الحياة بالنسبة لمريد وحُقّ لها، كان وصفه لها في القصيدة يأخذني للحقول وللمراعي الخضراء، وللسماء بعد المغيب وقد مُلِئت بالنجوم، إلا أن نجمة رضوى كانت الأكثر سطوعًا، هي التي كان يستدلّ بها في طريقه، كل النجوم لم تكن كجمال ولمعان نجمتها.
لم تأفل نجمة رضوى، فما تركتهُ بعدها يظلّ منارةً يُهتدَى بها إلى كل ماهو جميل ورقيق، إذ لا أكادُ أقرأُ عملًا لها إلا وأشعر بروحها حاضرة، أراها كما لو أنها أمامي وهي تكتب، وحين أنتقلُ من فصلٍ إلى آخر أفكر: يا تُرى هل كتبت هذه الفصول دُفعةً واحدة؟ أم ماذا كانت تفعل بين كل فصلٍ وفصل؟ ماذا عن شخصيتها التي وزعتها ووضعتها في شخصيات الرواية؟ ثم لا ألبثُ أن أتخيّلها تنزلُ للشارع، تتبضّع وتقرأ وجوه المارّة وتتخيل حيواتهم تمامًا كما أحب أن أفعل، تحضّر محاضراتها في الجامعة، تدخلُ في نقاشاتٍ طويلة مع زملائها وزميلاتها، تتحدث عن كل شيء وفي كل شيء، وتقضي باقي يومها في الاطمئنان على الأصحاب والأحباب.
تُرى كما لو أنها مستغرقة في التفكير بكل هذا الهدوء، لكنها تفاجئك بنكتة وقصة سخيفة أو مشهدٍ صادفتهُ في طريقها البارحة إلى المنزل، قد تظنّ بأنها لا تسمعك لكنها لا تلبث أن تباغتك بضحكة وتعليق على قصتك، لا تكفّ عن المزاح والضحك والفرفشة حتى في أيام تعبها، تواجه التعب بالسخرية. أتحدث عنها كما لو أني عشتُ معها لكني بالحقيقة أتحدث عن نفسي.
أقول اليوم لزميلتي: لا أعرف طريقة أخرى لمواجهة المرض أو التعب سوى بالسخرية والضحك، لا أنسى عندما أُجريت لي أشعة الرنين وكنت مبتسمة وأنا أردّ على فنّي الأشعة وقتها، حين سألني إن كنتُ خائفة لكنني نفيت بالطبع، وكل ما بداخلي كان يرجف، يعودُ ليطمئنّ عليّ ويقول متأسفًا: المعذرة سنُعيد هذه الأشعة من جديد “تحمّلي وحاولي توقفي الرجفة، بردانه؟” ضحكت وبكل كبرياء قلت: “ما كنت أرجف، يمكن بردانه صح”، عاد من جديد ليقول: “نمتِ؟” بالحقيقة نعستُ قليلًا بعد أن شعرتُ بالدفء حين وضع ملاءة أخرى على ساقيّ، بالإضافة إلى صوت الطرق المزعج القادم من جهاز الرنين، كنت أحاول أن أنتقل بعقلي وخيالي إلى مكان آخر، أُغمِضُ عينيّ وأسرح بفكري بعيدًا.
ارتبطت عندي ذكرى الرنين بالضحك، انتهيت من الرنين وكان بانتظاري خارجًا، مشى معي حتى وصلت لبوابة الخروج، حتى هذه اللحظة لا أعلم لمَ لم أصطحب أحدًا معي وقتها!
أذكر وأنا أقرأ “أثقل من رضوى” وهي تحكي عن تجربتها في الأشعة بأني ما وجدت من يصفُ حالتي مثل رضوى، ساخرة ولا تُظهر تعبها، عنيدة وتدّعي القوّة.
رحِم الله رضوى.
قبل أن يختم مريد قصيدته، هدأ صوته وتهدّج قليلًا وهو يقول:
“حين ذهبتِ
مالت أزهارُ اللوتسِ نحو الماء
ومدّت كفّيها .. تستبقيك
حين ذهبتِ
حقلٌ من عبّادِ الشمس .. تلفّت نحوك
حين ذهبتِ
صعدت كل الأفراس البيضاء لأعلى التلّ
تنتظرُ تفتّح زهراتِ الوادي
كي تعرف أنكِ عُدتِ ..
حين ذهبتِ
تغيّر معنى الطرقِ على الباب
وتغيّر عنوانُ البيتِ.”