أيام وكتب: عامٌ أوّل

الساعة الثامنة إلا ثمان دقائق صباحًا، أحتسي قهوة بطعم السفر، لا أعرف لماذا وكيف يبدو طعمها مشابهًا لطعم السفر! لا أفهم كيف للطعم والرائحة هذه القدرة في تغيير المشهد! في نقلنا من هنا إلى هناك، وهناك ليس بالضرورة بأن يكون مشهدًا مُعاشًا ومحفوظًا بالذاكرة، قد يكون مشهدًا مُشاهدًا أو مُتخيّلًا فقط، إما في فلم أو رواية. أفكر في طلب كوب قهوة ثانٍ، لا أودّ لهذا الطعم أن ينتهي! قهوتهم ليست رائعة بالمناسبة، على الأقل ليست بمثل ما يشتهر به هذا المقهى/ المخبز وذلك بتقديمه أنواع شهيّة من الكروسان الهشّ واللّذيذ جدًا!

دخلت المقهى باحثة عن الهدوء، رأسي مُتخم بالضجيج والكثير من الأفكار أو المشاعر ربما، الكثير من كل شيء تقريبًا، والقليل جدًا من الهدوء والتركيز، تعتلي مدينتنا الساحلية اللطيفة اليوم سحابةُ صيف، الجوّ بالخارج غائم، يُنبئ بأمطار قادمة بمشيئة الله. يقول البعض بأنّ الشتاء مُلهم غالبًا -بلياليه الطويلة- للكتابة، أما أنا فأشعر بأنّ الصيف مُلهمي الأوّل، رغم أني أحب الشتاء كمعظم أهالي الخليج تقريبًا. لكن الصيف يرتبط عندي بالعديد من الذكريات، أو لأني مولودة شهر مايو، حيث يعلن عادةً بداية دخول فصل الصيف، أو ببساطة لأني جُبلت على حب المتناقضات لذا سأتوقف عن التبرير الآن.

انتهيت منذ أيام من قراءة رواية خفيفة لازلت أفكّر في كتابة مشاعري حولها ونظرتي لها، وأفكّر ما مدى أهميّة ذلك حقًا؟ ولماذا أحب كتابة ما أسمّيه أنا بمراجعة وهو أبعد ما يكون عن مراجعة! لكنها طريقتي في الكتابة أو المراجعة -على أيّة حال-.

ثم كيف للكتب والروايات هذا التأثير؟ سطوة الكاتب أو الشخصيات علينا، وكيف نتحدث أو نفكر أو قد نكتب ربما بطريقة تشبه ما نقرأ! وكأننا نتلبّس إحدى الشخصيات أو نفكر كما ينظر الكاتب تجاه بعض الأمور.

هذه هي مصافحتي الأولى لأحد أعمال أحمد الحقيل: “أيام وكتب: عامٌ أوّل” روايته الأخيرة التي صدرت مطلع هذه السنة الميلادية، ويبدو بأنها مقدمة لجزء أو أجزاء أخرى قادمة.

تبدأ الرواية بـ”المهلهل” وستكتشف حينها الطابع الذي ستتّسم به. ناصر هو أحمد الكاتب كما عبّر هو نفسه في النهاية، ناصر هو أحمد إنما باحتمالات وخيارات أخرى، وأعتقد كحال معظم الكتّاب، مهما حاول الكاتب أن يبتكر شخصيات وأحداث، إلا أنه وبطريقةٍ ما يضع نفسه و روحه بين السطور، تتراءى لي مفردتي الانشطار و التشظي هنا و أظنهما أبلغ، إذ تنشطر روح الكاتب في أعماله وشخصياته، تُقسّم وتوزّع، وقد تكون برغبة منه أو بدون وعي حقيقي أو قصد إذ ببساطة يحدث تشظّي وإسقاط للعديد من أفكاره ومشاعره حيال كل ما هو بداخله وحوله.

يقول أحمد بلسان ناصر: “أتأمل الشخصيات التي يكتبها بعض الكتّاب، خصوصًا الجيّد منهم، وأفكر كيف أنها قد تكون امتدادًا لهم، ليس بالطريقة التقليدية المبتذلة التي تعني التشابه، بل بطريقة أنها امتداد افتراضي متوهّم لنسخ افتراضية مبتورة السياق، نسخٌ على طريقة “ماذا لو؟”. 

الرواية مقسمة ما بين فصول يسرد فيها الكاتب تفاصيل ناصر الحياتية عن الأهل والعمل وفصول أخرى يحكي فيها تأملاته الشخصية -أو أحمد- وقراءاته في كتب التراث في مكتبته إلا أنها ستأخذ منحى آخر بالأخير، وما بين هذا وذاك ستجد الكثير من الحوارات الكوميدية، مما يجعلها رواية كوميدية ساخرة وواقعية كذلك، قد تبدو لأوّل وهلة رواية عادية وربما تكون فعلًا عادية، وهنا يكمن جمال الرواية -كما أرى- وكما عبّر كاتبها “الحياة تكمن في العادي، وأكثر العظيم -شخصًا كان أم حدثًا- هو نتيجة لسياق رتيب، متراكم، وبطيء غالبًا.” 

أعجبتني الرواية جدًا، رغم عاديّتها، لا أحداث مبهرة أو مدهشة، لا مفاجآت، لكن أسلوب أحمد هنا مختلف، وربما لأنها تلامس جانبًا يشبهني وهو العفويّة بالسرد، دون تكلّف ولا استخدام لمصطلحات وتعابير مركّبة، -بالنسبة لي شخصيًا- أرى بأن من أحد أقوى العناصر التي يجب توفرها بالرواية أو القصة هي القدرة على سلب انتباه القارئ والأخذ بلبّه ومشاعره حتى الانتهاء منها، وهذه القدرة غالبًا تعتمد على البعد قليلًا عن المثالية سواءً في ابتكار الشخصيات أو الأحداث والمقاربة قدر المستطاع من الواقع إنما باحتمالات عديدة تمامًا كما فعل أحمد في شخصية ناصر.

أخيرًا، المثالية والكمال مطلبان يسعى إليهما كل فرد، لكنهما بدآ يخرجان و يحيدان قليلًا عن المسار المعقول فشتّان ما بين ساعٍ للكمال وساعٍ للإتقان والإحسان. شكرًا أحمد على الإمتاع، وعلى إحياء العاديّة في عالم يضجّ بالمثالية والكمال.

أضف تعليق