رواء مكة

منّ الله علي وأكرمني بالحج هذا العام الحمدلله، وفي رحلة العودة كنت قد بدأت بقراءة “رواء مكة” لحسن أوريد، وهي سيرة روائية للكاتب، يحكي فيها عن تجربته الشخصية في الحج، وحقيقةً أتفق معه في كون الحج قرار، “فليس الحج عبثًا” كما يقول، لكنه قرار يضعه الله في قلبك، يكتبه وييسره لك، يهيّئ لك أسبابه وحين ترى بأنّ كل الرسائل تدعوك للقيام بهذه الفريضة، فلابدّ أن تستجيب وتذعن، يقول: “كنتُ أعرف أني إن أدّيت فريضة الحج، فعليّ أن أطوي صفحة من حياتي. وكانت أشياء كثيرة تشدّني إلى حياتي السالفة ..”

الحج نية وقرار، رحلة توبة صادقة. “وهل الحجّ إلا هجرة؟ هجرة في الله.” 

“كلٌ إلى ما هاجر إليه كما يقول الحديث الشريف، وكلٌ لما حجّ إليه”

الكتاب يحكي قصة تحوّل حسن أوريد، رحلته من الشكّ إلى اليقين والإيمان، يحكي عن الأهواء التي تنازعه، عن الأصوات التي يجاهدها، عن العثرات وعن النهوض أخيرًا، عن كل مسلم يبتغي الإيمان والإخلاص لكن الدنيا تمسك بتلابيب روحه، تضعفه بملذاتها ولهوها، تغريه بمناصبها وأموالها، حكاية صادقة أصيلة، وحقيقية جدًا، يعبّر عن آراءه بصدق وصراحة، دون خوف ودون تردّد، أحببتها وشعرت بها قريبة جدًا من روحي، تحكيني في مواضع عدّة، إذ يصِف هنا حياته الماضية ويقول: “كنتُ أشعرُ بأني متّ، أن حياتي انصرمت، وأني لا أُدبّر إلا الأشباح .. أسعى أن أنأى عن هذا الشعور بالجري وراء السراب .. كانت يدي مغلولة لأرتمي في حِمى اللذة، ولكن رياحًا عاتية طوّحت بي مثلما طوّحت بكثيرين .. وجدتُ لها المعاذير والتبريرات .. فجرٌ يلوح، عهدٌ جديد وأملٌ ينبثق. وكان السراب. ولستُ بأوّل من غرّهُ السراب.”

أما عن تخبطه فكان يقول معاتبًا نفسه: “عجبًا. فيمَ كنتُ من ذي قبل لا أهتدي لأسرار القرآن؟ كنتُ من المُقمحين. كم من مرة مررتُ على الكلمة ولم أهتدِ لمعناها، كما مررت على الحياة ولم أنفذ للغاية منها؟ هل تدري، يا صاح، ما المُقمَح؟ هي البعير حينما تغُلّها أغلال تشدُّ رأسها وتمنعها أن ترِدَ الحوض .. هي ترى الماء ولكنها لا تهتدي إليه لأنها لا تستطيع النزول إليه. كنتُ مُقمحًا، رافع الرأس، أأبى أن أنحني، مُعتدًا بعقلي ووضعي .. فلمّا انحنيت ارتويت .. كان انحناءً، وركوعًا وسجودًا لأنهل من نبعٍ صافٍ يُسبِغ على حياتي معنى، ويُسرّي عني من كروب الدنيا، ويمُدّني بالقوة، ويمنحني العزة والكرامة ..”

أما عن بداية الرحلة يقول: “لا يكفي أن تنزع لباسك وتلبس الإحرام. عليك أن تنزع نفسك من كل هوى لتصدح بالتلبية .. عليك أن تدرك معناها وإلا فعبثٌ أن تحج .. هل أدركت العلاقة بين الإحرام والتلبية؟ تلبية نداء الله عزّ وجلّ يسبقها التجرّد من كل شيء، من حطام الدنيا، ومثبطات الهوى .. هي دعوة إلى الله وحده، مُنزّهة عن كل شرك. أيًا كان هذا الشرك .. ينبغي أن يكون إيمانًا خالصًا لله عزّ وجلّ .. لا يختلط به هواك، ولا تُشرِكهُ بأهوائك، ولا ما إليه تهفو نفسك، ولا أصنامًا تراها أو لا تراها، تعبدها أو يعبدها من حولك .. لا يمكن أن تدخل مكة قبل أن تهدم الأوثان التي انتصبت في قلبك أو في عقلك، وإلا فلن تدرك معنى التلبية، وإلا ستكون أصواتًا نتلوها ليس غير ..”

الإسلام عند أوريد فلسفة وتحرّر وتربية وتزكية للنفس كما أنه بحث وكدح من أجل العودة إلى ربنا، هكذا وجده وهكذا آمنَ به، “الإسلام هو فلسفة حياة، تبدأ بإشراقة الإيمان، وعلى هديه يسير العقل، وتنتسج حياة المرء كلها من نور الإيمان ورفقة العقل. سدىً ولحام. مسار يكون العقل فيها صاحبًا لا سيّدًا فلا يشتط في الأمر أو يجور عن القصد .. ذلك الإشراق أو ذاك النور هو الذي يملأ حياة المرء فيزيح الغشاوات ويبدّد الظلمات.”

أحب في الإسلام باب التوبة، باب العودة. والحج هو رحلة التحوّل الكبرى بإذن الله، لكل من يبتغي الانتقال فعلًا، لكل من ينوي العودة والهجرة إلى الله وهذا ما حاول الكاتب إيصاله وشرحه لنا، أحب في أوريد لغته الرشيقة، ليست متكلّفة ولا بسيطة، كانت المعاني تنفذ إلى القلب، هذا الأمازيغي يبهرك بلغته العربية البليغة والفصيحة واعتزازه وفخره فيها إلى جانب انتمائه القومي الأصيل وكأن أصله ودينه ولغته يسيرون جميعًا بشكل متوازي لا يؤثر أحدهم على الآخر، أحببت استشهاده بالقرآن، ومهارة ربطه بالآيات إلى جانب استشهادهِ أيضًا بالأبيات الشعرية التراثية كما ستلاحظ ذكر الكثير من عناوين الكتب، وأسماء المؤلفين والشعراء وبعض الأعلام المشهورة، ربما يعيبه بعض التكرار في بعض الفصول، بعض النصوص تبدو مُعادة، وكأن بعض الأفكار قد تمّت صياغتها بطريقة أخرى لكنها مكرّرة وتصبّ في ذات الموضوع وذات الرسالة. كما لاحظت بأنه يقفز ما بين الأحداث، ينتقل من قصة إلى أخرى ثم يعود إليها، تحتاج إلى الضبط قليلاً وبعض الترتيب والترابط لتخرج لنا فصولًا مترابطة ومتسلسلة. رغم ذلك يُعدّ هذا الكتاب من الكتب التي حتمًا تستحق التوصية والقراءة بما يحتويه من معانٍ عميقة وجميلة راقت لي جدًا.

أضف تعليق