
يتجدّد الوداع كما تجدّد لقائي فيها، أعودُ إليها لأتفقّد قلبي حينما استودعتهُ ربّها، أنا على أعتابِ مكة، المطر ينهمر، أشعرُ بهِ يهطُل على قلبي، قلبي الذي تركتهُ في ودائع الرحمن عند بيتهِ آخر مرة، هاهي ليلة السابع والعشرين من رمضان، أحضُرُ الختمة لأوّل مرة، لا شيء يشبه مكة في رمضان، ولا شعور يشبه لقائي بقلبي من جديد.
هناكَ ذلك الشعور المتّصل بمكة، أُغادِرها وأنا في شوق دائم للقائها، كيف لا وقلبي لا يعودُ معي، يأبى أن يعودَ معي! وهل يُلامُ قلبٌ لا ينتمي للأرض، قلبٌ لا يلمّ شعثهُ وقلقهُ وخوفهُ سوى اللطيف الرحيم، قلبٌ بخالقِ غيمِ السماءِ اتّصل، ويسأله الثبات الثبات.

أدخُل المسجد الحرام فأستحضر قوله تعالى: لَقد صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤوسكم وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا”
في هذه اللحظة أشعر بقلبي يُفتح، يرتوي من رحمة الله أن منّ عليه بالتيسير والتسخير واللقاء، يقرّ ويستقرّ، أُقلّبُ عينيّ في جمال الكعبة، أتذكر أبيات الثبيتي رحمه الله:
“صَبَّحْتُها
والخيرُ في أسمائها
مسَّيتُهَا
والنورُ ملءُ سمائهَا
حَيَّيتُهَا
بجلالِهَا
وكمالِهَا
وبِمِيمِهَا وبِكَافِهَا وبِهَائِهَا
وغمرتُ نفسي
في أقاصي ليلِهَا
فخرجتُ مبتلاً بفيضِ بَهائهَا”
حشرٌ مُهيب فرحٌ بالبلاغ، حينها لم أستطِع أن أمنع عقلي من تصوّر وتخيّل مشهد دخولنا للجنة رزقنا الله وإيّاكم، إذ يقول سبحانه:
“وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ”

يبتسم قلبي رغم الازدحام فلا شيء يبدو أجمل وأسعد من عودة النفوس والقلوب إلى بارئها، عادت مكة بألوانها وأشكالها ولغاتها، تأخذ مكة لبّ فؤادي ويُحيطُ حُبّ طيبةَ الفؤاد، فلا أكاد أذكُرُ حبّ مكة حتى تحنّ الروحُ لربوعِ طيبة، فاللهم مسكنًا ومدفنًا فيها.
في وداع مكة أستحضر وداع رسولنا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم حين خروجه منها ونظر – بأبي هو وأمي – النظرة الأخيرة لها وقال: “واللهِ إنََكَ لخيرُ أرضِ اللهِ، وأحَبُّ أرضِ الله إلى الله، ولولا أنِّي أُخرجتُ منكِ مَا خَرَجْتُ.” وأيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: ” ما أطيبك من بلد و أحبّك إليّ و لولا أنّ قومي أخرجوني منك ما سكنتُ غيرك.”
يتزامنُ وداعنا لمكة مع وداعنا لرمضان، فإذ بالوداع يُصبح أثقل وأصعب على القلب، لكننا على أمل بأنهُ وداعُ مُستبشرٍ باللقاء لا مُفارِق، فاللهم لا تجعل هذا آخر عهدنا ببيتك الحرام ولا برمضان، وارزقنا العود بعد العود والمرّة بعد المرّة وأعِد علينا رمضان أعوامًا عديدة وأزمنةً مديدة ونحن وأحبابنا بخير وصحّة وعافية، وإن كان هذا آخر عهدنا فاجعلنا اللهم من المقبولين عندك وتوفّنا وأنتَ راضٍ عنّا.
السبت – ٢٩ رمضان ١٤٤٣ 🌿