
كتبَ “محمد فروانه @mohdfarwana”: “ما جدوى الماديّات إن كانت الفجوة في القلب؟ وماذا يُصلِح العلم إن كانت الروح خاوية؟” وحقيقةً الحديث في هذا مؤلم ومُحزن، وقد يطول ويتشعّب ويتفرّع وهو يأخذني لمعاني عديدة ويوصلني لمفهوم وحيد وهو تعميق وتأصيل مفهوم الإيمان بالله، النقطة المرجعية التي تنقذني دائمًا، في أحلكِ الأوقات، في أكثرها حزنًا وضيقًا، وأكثرها بردًا ووحدةً كان الله وحده من أستندُ عليه وألجأُ إليه ووالله إني لأبكي حين أتفكّر في كل الذين تتوهُ بوصلاتهم ويتخبّطون وما يزيدهم بُعدهم عن الله إلا بُعدًا عن أنفسهم “أولئك الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم” عسى الله أن يثبّتنا وإياكم ويردّنا إلى الحق كلما ضللنا وتاهت خُطانا.
لا أخفيكم بأني منذ مدة طويلة وأنا أجاهد مع الكتابة، وكان الأمر أشبه بعمليات الكرّ والفرّ فتارةً أحاول استحضارها وجلبها وتارةً أدعها وأقول فلتأتِ كما أرادها الله، حتى استوقفني صباح هذا اليوم ما كتبه محمد فروانه وشعرت بأني منذ عرفتني والحديث في هذا الأمر كان ملازمني في معظم الجلسات مع الصديقات وفي أغلب محادثاتي العابرة مع الآخرين وحتى في حديثي مع نفسي في خلواتي، حتى توقفت قبل عدة أيام إلى “إياك نعبد وإياك نستعين” وهي من إحدى الآيات المطمئنة جدًا حين يباغتني ضيق لأمرٍ ما دنيوي، فأتذكر سبب خلق الإنسان وما خلقنا الله إلا لعبادته، وما الذي يحزنني؟ ماذا؟ أمرٌ دنيوي؟ هذه الدنيا البائسة وكما قال علي رضي الله عنه “يا دنيا غُرّي غيري”، وإيّاك نستعين، هذه الدعوة لوحدها كفيلة لتهدئة كلّ قلقٍ يسكن صدورنا، وإيّاك نستعين، نستعين بك على كل صعب، وكل ما ظننا بأنه لن يهون، وكل من نخشى مفارقته، وكل أمرٍ عسير، وكل حزنٍ بجهلنا نزعمُ بأنه بائتٌ بالقلب، إياك نستعين يا خير معين.
والله يقول أيضًا: “واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعدُ عيناكَ عنهم تُريدُ زينة الحياة الدنيا ولا تُطِع من أغفلنا قلبهُ عن ذكرنا واتّبع هواهُ وكان أمرهُ فُرُطا” لم يخلقنا الله لنكابدَ هذه الفانية وحدنا، فها هنا دعوة لتخيّر الأصحاب، المُعينين بعد الله، هنا نستعين بعد الله بمن نتوسّم بهم الخير، من ينتشلوننا حين نقع وتُظلم حينها دُنيانا، حين نضعف ونتخبّط، فيكونُ أحدهم كما قال السبهان في بيتٍ رقيق “روحهُ قنديلُ نورٍ لو سرى .. بضياها الليلُ ليلًا لن يضيع!” إي والله بعضهم يرسلهم الله قناديلُ نورٌ يُستدلّ بها، ويُستضاءُ بها لنكملَ المسير، لنعبر هذه الدار كيفما كانت وشاءَ لها الله أن تكون، “أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا تُرجعون” الرسائل في القرآن عديدة عديدة، واللبيبُ فينا من توقّف وتمعّن وتدبّر، ووالله إنها لتُذهِب وحشة القلب وتبعث فيه السكينة فالحمدلله، وهنا تجدر الإشارة أيضًا بأنّ كلّ ما يحدث في الحياة ليسَ بصُدفة كما نعلم جميعًا، وبأنّ وجهتك هذه الآن، ودربك الذي أنتَ فيه ستتكشّف الغاية منه حين تصل إلى آخِره، وحتى الكتاب الذي بين يديك وربما هذا النص الذي تقرأهُ أمامك، وصاحبك الذي تنتظر لقاءهُ مساءً، لا تعِش الحياة لاهيًا بماهو ملموس وأمام عينيك فقط، إنما تأمّل وتمعّن أكثر، وانظر بقلبك لا بعينك واسأل الله دائمًا البصيرة. أحبّ الله وأحبّ رسائله، وممتنة لكل ما أعطاني إيّاه ومنعهُ عني.
لستُ آسى على الأوقاتِ التي جهلتُ فيها الطريق الصحيح، فلله حكمةٌ نحنُ نجهلها، “وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله”، فلله الحمد من قبل ومن بعد، لكن ما يستدعي الحزن حقيقةً حين يُكابر الواحد منّا مُدركًا مُتعاميًا صادًا أصمًا، حين يختم الله على قلبه ويُنسيه ذكره، فلتحزن على هذا يا صديقي، ونعوذ بالله بأن نكون ممّن يُعمي الله بصيرتهم ويتوهون في فانيةٍ وماديّةٍ لا تُسمن ولا تُغني من جوع في “يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم” فما حالُ قلبي وقلبك يا صديقي؟
الكتابة في نظري: إفضاء ما بالروح وسكبهِ على شكل حروفٍ وكلماتٍ مخطوطة تُبصرها العين وقد لا يُدرك أحدنا عن كنه ما يسكنُ الفؤاد إلا حين يتحدث بصوتٍ عالٍ أو يسكب روحهُ أمامه بهذا الشكل، فتخيّلوا صعوبة الأمر حين يصعب عليّ الإتيان ببضع سطورٍ أرى فيها حقيقةً ما يجولُ في عقلي وقلبي، فكأنّ كلامًا حبيسًا ظلّ يتعاركُ طويلًا في داخلي ولم تُسفِر كل توسّلاتي ومحاولاتي ليظهر ويخرج بأيّ طريقة، وصدقوني بأني في كل مرة أكتب أجهل الشكل الذي سيكون عليه النص أو مغزاه وهدفه، لكني دائمًا ما أتخيّل وأرى بأنّي حين أكتب فكأني أخاطب نفسي ومعها أخاطبُ الأصدقاء وممّن يقرأني وإني هنا الآن أكتب منذُ الساعة الثامنة صباحًا تقريبًا كتابةً متواصلة، في بُقعةٍ طيّبةٍ طاهرة، أمام بيت الله، في غُرّة السنة الميلادية الجديدة وغُرّة شهر جمادى الآخرة وقبيل رمضان بثلاثة أشهر نسأل الله أن يبلّغنا وإياكم ومن تحبون بصحة وعافية لا فاقدين ولا مفقودين، فتذكرت زيارتي الأخيرة للحرم في رمضان الفائت، إذ كانت زيارةً فريدة ومختلفة عن كل الزيارات، وكانت بداية الرحلة إلى نفسي، إلى الجذور والأعماق، إلى الروح، إلى الله، متجرّدةً من كل ماهو مادّيّ وتافه، وكما يقول درويش:
“لا الرحلةُ ابتدأتْ، ولا الدربُ انتهى
لم يَبْلُغِ الحكماءُ غربتَهُمْ
كما لم يَبْلُغ الغرباءُ حكمتَهمْ
ولم نعرف من الأزهار غيرَ شقائقِ النعمانِ،
فلنذهب إلى أَعلى الجداريات:
أَرضُ قصيدتي خضراءُ، عاليةُ
كلامُ عند الفجر أَرضُ قصيدتي
وأَنا البعيدُ
أَنا البعيدُ”
ولازلت بطبيعتي البسيطة الضعيفة أضعف أمام الملهيات، وأبكي كما الأطفال وأقلق على ما قد لا يحدث، وأخشى ما قد لا يكون، وأنسى أن أعيش هذا اليوم لوحده لا عالقًا في أمسه ولا منتظرًا لغده، ويضيعُ اليوم كما سيضيعُ الغدُ من بعده، فلازلت أتعلّم وأواجهُ نفسي بما كرِهت نفسي مواجهته، وأُعاقبها كما تُعاقبُ الأمّ ابنها لتحنو عليه بعدها، وما حُنوّي عليها سوى مواساتي لنفسي بكلام المولى عزّ وجل “وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شرٌ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون” فاللهم أتمم لنا نورنا واهدِنا وردّنا إليك ردًّا جميلا، وانفع بنا وبارك لنا ما رزقتنا، والحمدلله.
الساعة ١٠:٣٣ صباحًا، السبت، مكة المكرمة