الله المُنعِم

كنت أفكر البارحة عن المرء وإصابته بالفتور والكسل، عن انعدام رغبته بالسعي واستكمال المسير، لا أقول اليأس، فالأمل بالله وحسن الظن فيه لا ينقطع أبدًا، نعوذ بالله من أن نكون من القانطين اليائسين، فاليأس حين يدخل القلب يُميته ولعلّي الآن أستحضر هذا البيت الذي يردّ فيه الفتى على الشيخ يوسف القرضاوي في قصيدته التي أُنشدت ويعرفها معظمنا من أيام الطفولة “اليأس كفرٌ إذا ما حلّ صدر فتى .. والحمدلله قد جدّدت إيماني” إلى تتمة الأنشودة المعروفة، فالملاحظ والمُراد هنا بأنّ الواجب ألّا نستسلم أبدًا لأيّ شكل من أشكال اليأس، والفتور إنما هو أحد مداخله، وأننا دائمًا بحاجة لمتابعة كل ما يطرأ ويجدّ ويدخل في نفوسنا، أن نعرف مداخلنا وما ينفذ إلى أرواحنا جيّدًا، القصد في حديثي هذا أنّ الكثير منّا قد يعتريه الفتور بين الحين والآخر، وهذا أمر طبيعي، لكن الخروج منه ليس بالسهل، لهذا كان لِزاماً علينا بل وحريّ بنا أن نفهم التغيّرات التي تحدث فينا.

كنتُ قبل يومين في صحبة صديقة عزيزة جدًا، بعد كل لقاء أو ساعة حديث معها أستشعر نعمة أن يعرفني أحدهم على مدى سنوات عديدة، في مراحل عمرية مختلفة، نكبر معًا، كلٌّ له سير حياة مختلفة وبعيدة جدًا عن الآخر، لكننا في آخر المطاف نلتقي دائمًا، كان هذا بالنسبة لي هو الشعور بالأمان المُطلق، وكان هذا الشعور، مجرد الشعور نفسه من نِعم الحياة الدنيا والله، تلمّسوا هذه النِعم التي لا ترونها، استشعروها وعظّموها، تُجرح وتُكسر لكنّ الله يجبرك، يجبرك والله وإن كان بغير الشكل الذي رجوته وظننته، يجبرك، يعوّضك، يُرسل إليك آخرين وآخرين، إنما نحنُ رسل الله في الأرض، كلنا مُرسلون لبعضنا، كلٌ له رسالته، لا أؤمن بالصُدف كثيرًا، كل شيء وكل أمر يحصل لحكمة وكل شخص تقابله لحكمة أيضًا، بعضهم أدوارهم قصيرة في حياتنا، تنتهي مجرد انتهاء رسالتهم لنا، وبعضهم تطول مدة مكوثهم معنا، وليس بمقدورنا اختيار من يبقى ومن يرحل، لهذا كان التسليم والرّضا هنا واجبًا، والثقة بالله في عوضه وعطاءه واجب أيضًا.

الانطفاء وارد بل وجزء من دورتنا الطبيعية، الله نور السماوات والأرض، وحده سبحانه، إنما نحن فالأصل فينا هو التغيير لا الدوام، لا دائم إلا وجهه سبحانه جلّ جلاله، لنا في هذه الحياة أن نُضيء وننطفئ، سِمة الإنسان التغيّر والتبدّل وإنها والله لنعمة من أكبر النعم، فالحمدلله دائمًا وأبدًا، لكن التغيير والنهوض يكون من إيماننا العميق بالله أوّلاً والاستعانة به وحده ثم استشعارنا ومعرفتنا بأنّ هذه اللحظة ليست بدائمة، هذا الشعور زائل، تلمّس طريقك إليك، اسأل الله معيّته في هذا الطريق، لا تلجأ إلا إليه وما خاب من أتاه وفوّض جلّ أمره إليه سبحانه، نسأل الله ونرجوهُ دائمًا ألّا نتوه ولا نضلّ ونشقى، وأن يُعيدنا دومًا إليه بالشكل الذي يُرضيه فالحمد له من قبل ومن بعد، اللهم الرّضا والتوفيق والسداد في كل خطوة والنهوض بعد كل عثرة. آمنون، تائبون، عابدون، لله مؤمنون ومسلّمون. 

أضف تعليق